عندما أسس الصحافي الفرنسي الشهير أوبير بوف – ميري، صحيفة "الموند" بعيد تحرير باريس عام 1944، استوحى روح المقاومة الفرنسية، متعهداً الحفاظ على الصحيفة مستقلة "سياسياً واقتصاديا ومعنوياً". وتحقيقاً لهذا التعهد، منح المحررون والمراسلون امتيازات استثنائية، منها حصة في ملكية الصحيفة والحق في اقالة رئيس تحريرها وناشرها .
وقبل سنتين من الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الخامسة، تستعد إحدى أعرق الصحف في العالم لخسارة أحد الاسس الثلاثة لهذا الاستقلال، وهو الركيزة المالية التي يهدد فقدانها بخسارة جزء كبير من امتيازات الصحافيين، بعدما أدت الخسائر المتراكمة إلى إجبار الصحيفة على طلب مشاركة مستثمر خارجي، في ما يبدو كلفة الاستمرار في خضم أزمة تعصف بالصحف، كبيرها وصغيرها.
وفي رسالة إلى القراء في الصفحة الاولى، كتب رئيس المجموعة إريك فوتورينو أمس أن "الموند" تسعى خلال الأسابيع الأخيرة إلى زيادة رأس مالها، "ومن المتوقع أن تسفر هذه العملية عن نتيجة بحلول منتصف حزيران، مع اختيار شريك جديد سيحصل وحده أو مع شركاء آخرين على حصة الغالبية في رأس مال مجموعتنا". وأفادت أن مجموعة "لاغاردير" التي تملك 17 في المئة من مجموعة "الموند" منذ 2005 أشارت إلى أنها لا تنوي زيادة حصتها.
وكانت الصحيفة التي اضطرت عام 2008، بسبب الصعوبات المالية، الى اعتماد خطة اجتماعية ادت الى رحيل 60 من صحافييها الـ350، الامر الذي دفع الموظفين الى تنفيذ اضراب كان الثاني في تاريخها، أعلنت عن مناقصة دولية لاستثمارات جديدة يمكن أن تؤدي بالصحافيين وموظفين آخرين الى التنازل عن صلاحياتهم الرقابية لـ"غريب" عنهم. فمن دون سيولة جديدة، قد لا تكون الصحيفة قادرة على مواصلة الطبع ودفع الرواتب خلال الصيف.
وفيما أبدت أكثر من جهة رغبتها في الاستحواذ على الصحيفة الشهيرة، يلتقي المسؤولون والمحررون الكبار خلال هذا الشهر للاستماع الى المالكين الجدد المحتملين، ومحاولة تمييز الاكثر رغبة منهم في الحفاظ على تقاليد المؤسسة، مع توفيره الضمان الضروري لاستمرارها وتطورها.
وفي رأي فوتورينو أن "الامر الاكثر أهمية قبل سنتين من انتخابات وطنية، يكمن في الحفاظ على استقلال تحريري"، مقراً بأنه "اذا لم تجنِ مالا، لا تكون مستقلاً حقاً". وقال إن "الهدف هو الحصول على أكبر عدد من المرشحين المحتملين".
ومن هؤلاء المحتملين مجلة "النوفيل أوبسرفاتور" الاسبوعية وصاحبها كلود بردرييل الذي أبدى الاهتمام الاكبر حتى الان بشراء "الموند"، علماً أنه عضو في مجلس ادارتها.
ولئن كانت الصحيفة والمجلة تتشاطران الخط السياسي ليسار الوسط، وهو ما يشكل عامل اطمئنان للصحافيين، تبرز تساؤلات عما اذا كان بيردرييل قادراً على توفير الاموال الضرورية، بما فيها الاستثمار الاولي الضروري البالغة قيمته 100 مليون اورو للحصول على الحصة الكبرى في الصحيفة وابقائها على قيد الحياة.
ومن المشترين الاخرين المحتملين ثلاثي برئاسة ماتيو بيغاس، المصرفي الذي يرأس "لازار فرانس"، وبيار بيرجيه المؤسس المشارك لدار الازياء "إيف سان لوران"، وقطب الانترنت كزافييه نيل.
ويتمتع هذا الفريق بقدرة مالية أكبر من صاحب "النوفيل اوبسرفاتور"، الا أن بعض المسؤولين في الصحيفة يخشى أن تقوض صلات لبيغاس وبيرجيه بالحزب الاشتراكي استقلال "الموند".
كذلك، أبدى بعض الناشرين الاجانب اهتمامهم بالصحيفة، بينهم "رينغير" السويسري ناشر صحيفة "التان" و"أسبرسو غروب" الايطالي الذي ينشر صحيفة "لاريبوبليكا" الايطالية، ومجموعة "بريزا" الاسبانية التي تنشر صحيفة "ال باييس".
ولا يعترض ناشرو الصحيفة على ملكية أجنبية محتملة، وخصوصاً أوروبية، وإن تكن خطوة كهذه قد لا تكون محببة لدى الرأي العام الفرنسي.
وقال فوتورينو في لقاء صحافي أخيراً: "طالما كانت "الموند" صحيفة اوروبية… اذا كنا نتشاطر الحساسيات نفسها، فلم لا؟".
تحديات كبيرة
فرنسياً كان أم أوروبياً، يتوقع أن يرث المستثمر الجديد تحديات كبيرة، منها دين قيمته مئة مليون أورو.
فعلى غرار المطبوعات الفرنسية الاخرى، واجهت "الموند" في السنوات الاخيرة نفقات متزايدة للطباعة والتوزيع. وهي، كما حال صحف العالم، تعاني مصاعب في تحقيق عائدات من موقعها الالكتروني الذي تكافح من أجل تكامله مع الصحيفة الورقية.
وكانت "الموند" أطلقت في كانون الثاني 2009 شكلاً تحريرياً جديداً يهدف الى التكيف مع الاستخدامات الجديدة لقرائها مثل الانترنت، وتأكيد "خصوصيتها" للحد من تراجع مبيعاتها.
كذلك، شكل اختيار نشر صورة كبيرة في الصفحة الاولى استثناء احتراماً "لخصوصية" الصحيفة التي كانت امتنعت عن هذا التقليد السائد في صحف العالم. وأرفق عدد عطلة نهاية الاسبوع بنسخة مجددة من "الموند الاقتصادي"، وأطلق ملحق شهري مجاني للتربية يوم الاربعاء.
وفي الرابع من آذار من العام الماضي، أطلقت الصحيفة الفرنسية ملحقاً شهرياً مخصصاً للموضة والديكور والسفر أطلق عليه "ام". وفي كانون الاول عينت سيلفي كوفمان مديرة تحرير للصحيفة، وهي المرأة الاولى تتولى هذا المنصب فيها.
كل ذلك، لم يعف الصحيفة من البحث عن استثمار جديد. وفي حال عدم التوافق عليه، تواجه الصحيفة خطر الافلاس، وهو ما قد يؤدي الى بيع لممتلكات الشركة، بما فيها الصحيفة، وإن يكن محللون يستبعدون أن تتوقف عن الصدور.
وحتى اذا تمكنت من تجاوز الازمة، سيكون على الصحيفة التعامل مع تراجع عدد القراء والاعلانات. ففي العقد الاخير، انخفضت المبيعات بمعدل الربع الى أقل بقليل من 320 الف نسخة يومياً، وعائدات الاعلانات بنسبة 20 في المئة العام الماضي.
وبعدما اشتهرت بتحاليلها السياسية الجدية، تحركت الصحيفة لجعل مضمونها سهل المنال، ورواياتها الاخبارية أكثر ايجازاً، كما نشرت سلسلة من السباقات الصحافية تعلق احدها بفضيحة جنسية تورط فيها نجوم فرنسيون لكرة القدم.
وحصلت التغييرات الكبيرة بعد انتقادات واسعة لاسلوب العمل الصحافي في "الموند" في كتاب صدر عام 2003 بعنوان "الوجه الخفي للموند" (La face cachée du Monde ) واتهم فيه المؤلفان بيار بيان وفيليب كوهين الصحيفة بالغرور والانحياز السياسي.
وسبق للصحيفة العريقة أن تجاوزت أزمات أخرى في تاريخها الممتد 60 سنة تقريباً.ومع تبدد صدمة تخليهم عن امتيازاتهم، لا شك في أن الصحافيين استعادوا معنوياتهم مع ظهور أكثر من مستثمر محتمل، فهل يستعدون مع صحيفتهم لكتابة فصل جديد في تاريخ السلطة الرابعة؟
موناليزا فريحة
"النهار"




















