نصير الأسعد
على مشارف نهاية العام 2008 الجاري، العام الذي شهد محاولة إستقواء بالسلاح على 14 آذار من ناحية وشهد مراهنات عدة من جانب المحور السوري ـ الإيراني والتحالف التابع له في لبنان على متغيرات إقليمية ودولية في صالحهما من ناحية أخرى، كيف تبدو الصورة الفعلية للوضع في لبنان وحوله؟
"الرأي العام المستقل" 14 آذاري
في لبنان ـ الداخل، أي في الإطار الداخلي، يمكن تسجيل عدد من المعطيات ـ الحقائق.
لا شك أولاً أن 14 آذار، الحركة الإستقلالية السيادية اللبنانية، تستند الى توازن قوى شعبي ـ سياسي راجح في مصلحتها. ولم يكن من قبيل الترف أن تستعرض 14 آذار في مؤتمر صحافي قبل أيام النتائج التي أسفرت عنها الإنتخابات القطاعية التي جرت على إمتداد العام، قبل 7 أيار وبعده، وأن تبيّن بالأرقام مواقع تفوقها ومصادره في "المجتمع المدني". وقد إستند التقويم الى "نوايا" تمت ممارستها في التصويت، لا الى "استطلاع نوايا" سيتم التعبير عنها في وقت لاحق.. أي ان التقويم إستند الى "وقائع" لا الى "إحتمالات". وفي هذه النتائج التي برزت، ثمة معطى أساسي، وهو أن ليس هناك هامش كبير من الحياد بين معسكرَي الصراع السياسي، أي أن ليس هناك مستقلون محايدون، وأن النسبة "العظمى" من "المستقلين" ـ غير المنتمين "حزبياً" ـ تقف بجانب 14 آذار، مما يثبت مرة أخرى أن في البلد "رأياً عاماً" هو من يميّل الدفة، وهو بجانب الحركة الإستقلالية.
..وزاده إختبار 7 أيار تماسكاً
لهذا المعطى ـ الحقيقة أسباب.. بل معانٍ. ثمة إعلان من جانب "الرأي العام" أن "إختبار القوة" الذي أقدم عليه فريق 8 آذار في أيار الماضي لم ينجح، وأنه لم يرهِب الجمهور الـ14 آذاري تالياً. وأكثر من ذلك، يؤكد هذا المعطى ـ الحقيقة أن "الرأي العام" متقدم في حالات كثيرة عن "المستوى السياسي" المباشر، وأن "الرأي العام" لا يؤيد مظاهر التراجع أو "الوقاية" الزائدة أمام "إختبار القوة" الذي جرى وأي "إختبار قوة" مشابه، بل يدعم مواصلة الصراع السياسي، وهو متحمّس للرد على 7 أيار ديموقراطياً، ويعتبر أن له "قضية" لم يتم إنجازها بعد.
التدخل السوري المتصاعد.. ومعسكرات السلاح
ولا شك ثانياً أن "وحدة" 14 آذار تحقق مزيداً من الخطوات. ولا يحصل ذلك فقط لأن جمهور الحركة السيادية يريد هذه "الوحدة" ويشترط وجودها للسير معها. يحصل ذلك لأن "قضية" 14 آذار ليس فقط يتأكد أنها "موجودة"، بل لأن هذه "القضية" تكتسب يوماً بعد يوم أسباب الإستمرار.
فحيال التدخل السوري في لبنان بل تصاعده الفظ، يكتسب عنوان الإستقلال والسيادة مزيداً من المبرّرات بل مزيداً من "الراهنية"، وتكتسب معركة "إستكمال" الإستقلال والسيادة مزيداً من القوة. أي ليس هناك "إفتعالٌ" لعنوان معيّن بهدف "شدّ العصب"، بل ثمة "عامل موضوعي" هو التدخل السوري المتصاعد، هو ما يُعطي زخماً فعلياً لمعركة 14 آذار. وبهذا المعنى، تحقق 14 آذار مزيداً من الوحدة والتوحّد بالإستناد الى حقيقة أن "المشكلة السورية" لا تزال قائمة. وفي هذا الإطار المحدّد، ينبغي القول إن "المشكلة السورية" لم ينهِها الإقرار بالتبادل الديبلوماسي ولا إعلان نيّة تعيين السفيرين قبل نهاية العام الحالي. ذلك أن التدخل السوري في لبنان ليس قائماً "سياسياً" فقط بل هو "تدخل عملي"، وأبرز تجلياته ما يسمّى "السلاح الفلسطيني خارج المخيمات"، والذي هو في حقيقته سلاح سوري ومعسكرات سورية داخل الأراضي اللبنانية. "يُقال" إن النظام السوري "وعد" بإنهاء هذا "الملف". وعد الرئيس ميشال سليمان ووعد دولاً غربية وعربية. لكنه لم يحرّك ساكناً، حتى بشكل جزئي ومحدود كأن يقفل أحد هذه المعسكرات مثلاً. وثمة معلومات ديبلوماسية تفيد أن نظام الأسد أبلغ جهات دولية أن "المعسكرات" ورقةٌ من أوراق التفاوض بينه وبين إسرائيل، وليست شأناً من شؤون العلاقة اللبنانية ـ السورية!.
مزيدٌ من الحيثيات لعنوان تحييد لبنان
وإذا كانت الفقرات السابقة تؤشر الى توحد 14 آذار في إطار المعركة ضد النظام السوري وتدخله المتصاعد المستهدِف لإستقلال البلد وسيادته وللدولة فيه، وذلك بعناوين موضوعية واضحة، فإن ما لا بد من "إضافته" في هذا السياق، هو أن وحدة 14 آذار في المعركة وللمعركة ترتدي بعداً آخر يتساوى في الأهمية مع البعد "الأنتي سوري" إذا جاز التعبير.
يوماً بعد يوم، يكتسبُ نضال 14 آذار من أجل إستكمال الإستقلال ومن أجل قيام الدولة، مزيداً من "الحيثيات". يتبيّن يومياً من خلال التطورات المحيطة بلبنان أن أفضل طريق الى السلامة هو تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، وأن تحييد لبنان هو الذي يقدّم فرصة ثمينة ـ أي ظرفاً ثميناً ـ لقيام الدولة وحصر الأدوار السيادية فيها.. وأن عنوان التحييد هو الإلتزام بالقرارات الدولية وتنفيذها وتطبيقها، لا سيما القرار 1701، خصوصاً أن تنفيذ هذا القرار يقطع الطريق على عدوان إسرائيلي جديد.
في الإطار اللبناني الداخلي إذاً،ً ثمة توازن قوى شعبي ـ سياسي راجح لصالح 14 آذار، وثمة وحدة لـ14 آذار مدفوعة بتوازن القوى هذا وداعمة له في آن.. وثمة معركة سياسية 14 آذارية بعنواني إستكمال الإستقلال عن سوريا من جهة وتحييد لبنان بتنفيذ القرار 1701 فرصةً للدولة من جهة ثانية.
برّي العارف بحال 8 آذار
غير أن "الصورة" لا تكتملُ إلا بتسجيل معطيين إضافيين.
المعطى الإضافي الأول هو خلاف "المظاهر". صحيحٌ أن فريق 8 آذار يستقوي بالتدخل السوري وبالدعم الإيراني.. وقبلهما ومعهما بالسلاح. غير أن الصحيح أيضاً، أن هذا الفريق يعرف جيداً ان قوته المسلحة وقدرته على التعطيل والتخريب ليستا مطلقتين، وليستا وسيلتين ناجحتين لتغيير موازين القوى. والأصح توصيفاً لحال 8 آذار القول إنه فريق "مضعضع" سياسياً، ولا يمكنه الفوز بمعركة "تتخللها" تصفية حسابات مع رئيس الجمهورية التوافقي حيناً.. وداخل الفريق نفسه أحياناً. ومرة أخرى، إن الأكثر "أهلية" لمعرفة حال 8 آذار وللحديث عنها إذا أراد، هو الرئيس نبيه بري.
المحكمة..وأوباما
أما المعطى الإضافي الثاني فهو مجموعةٌ من "المفاجآت" بالنسبة الى الفريق نفسه. المحكمة الدولية "مفاجأة" بمعنى أن المحور السوري ـ الإيراني وفريقه في لبنان كانا "يعِدان" بأنها لن تبصر النور.. وإذا بالقطار يقطع الخطوة الأخيرة على السكّة كما قال مصدرٌ دولي مطلع للزميلة "الحياة" أول من أمس. والرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما "مفاجأة" أيضاً، إذ قرّر متابعة سياسة الإدارة الحالية حيث يعتبر أنها نجحت، ومواقف هذه الإدارة ناجحة في لبنان من وجهة نظره وقرّر "الإستمرارية" في هذا المجال تالياً، وكان لافتاً في الوقت نفسه تحذير روبرت غيتس وزير الدفاع القديم ـ الجديد من "إمتحان" أوباما في الخليج. والموقف العربي "مفاجأة" في ظل الموقف السعودي ـ المصري الذي تزداد وتيرة "إحتجاجه" على سياسة دمشق وطهران في المنطقة إبتداءً من لبنان.
على مسافة اسبوعين من نهاية 2008، ثمّة إذاً ما "يتحرّك" و"يتغيّر".




















