يظهر التقرير الحادي عشر الصادر عن لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بتاريخ 2 كانون الاول 2008، نقاطا قانونية عديدة وجديدة لا بد لأي باحث او لأي متابع لعمل لجنة التحقيق ولنظام المحكمة الدولية الخاصة للبنان (المحكمة)، التوقف عندها.
وبالفعل وبقراءة متأنية للتقرير يتبين وفقا لتسلسله الرقمي ما يلي:
-1 جاء في المقاطع 4 و5 و7 من التقرير ما خلاصته بأن مباشرة المحكمة لعملها في التاريخ المحدد من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون اي في اول آذار 2009، لا يعني ان التحقيق اكتمل، لا بل ان التقرير يؤكد ضمن هذه المقاطع على الامور الجوهرية التالية:
– رغم ان اللجنة تتفهم توقعات المتابعين التي وصلت الى الذروة مع قرب الانتقال الى لاهاي، "فان الانتقال لا يعني ان التحقيق اكتمل".
– لا بل سيتعين على مكتب مدعي عام المحكمة، الذي سيباشر مهماته رسميا في اول آذار 2009، ان يقود التحقيق انطلاقا من لاهاي، وان يستمر في جمع الادلة التي تدعم صدور قرار اتهامي قبل المحاكمة.
إن المقاربة القانونية الصرفة لهذه المعطيات، مقارنة مع الخلط بين عبارة "مباشرة المحكمة لعملها" ومسألة البدء باجراءات المحاكمة اي المرافعة امام قضاة المحكمة الابتدائية الدولية، تؤدي حكما الى ما يلي:
أ- إن التحقيق لم يصل الى خواتيمه حتى الساعة وذلك باعتراف التقرير نفسه، وهذا يناقض الى حد جميع الاستنتاجات والايحاءات الصادرة بهذا الخصوص.
ب – إن التحقيق سيبقى مفتوحا حتى بعد الانتقال رسميا الى مرحلة مباشرة المحكمة لعملها، وهذا امر جديد او على الاقل غير مألوف في القضايا الجنائية حيث لا ينتقل الملف الى مرحلة المحاكمة قبل الانتهاء من التحقيقات والا تم الخلط بين مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة اللتين يفترض ان تتما بتسلسل زمني واضح وليس بتماهٍ متلازم صونا لحقوق الدفاع. الا انه وتوضيحا لهذه النقطة يجب ان تفسر عبارة مباشرة المحكمة لعملها المتداولة اعلاميا، بعملية تنسيق الانتقال من أنشطة لجنة التحقيق الدولية المنشأة عملا بقرار مجلس الأمن 1595 الى انشطة مكتب المدعي العام، ولا يمكن ان يفهم منها انها عملية تسلم قضاة المحكمة الابتدائية لمهماتهم والبدء بالتالي باجراءات المحاكمة والمرافعات وهو وموعد ينتظر لتحديده، التشاور بين الامين العام للامم المتحدة ورئيس المحكمة الخاصة، تماما كما نصت على ذلك المادة 17 من اتفاقية انشاء المحكمة الخاصة بلبنان. اي انه وبعبارة صريحة لا يمكن الخلط بين مسألة مباشرة المحكمة لعلمها والبدء باجراءات المحاكمة.
-2 إنطلاقا مما سبق، فإن التقرير الذي تفهم "توقعات المتابعين التي وصلت الى الذروة"، عاد في المقطع 8 منه لينص صراحة بأن اللجنة "تشارك الشعب اللبناني استياءه من عدم وضوح الرؤية في شأن الوقت الضروري لاتمام التحقيق" ليصل بعدها مباشرة في المقاطع 9 و10 و11 منه الى مطالبة الشعب اللبناني ومن ورائه الاعلام بأن يجدد ثقته بعمل اللجنة بغض النظر عن عامل الوقت وعن نتيجة التحقيق التي يؤكد التقرير ان الهدف منه وضع حد للإفلات من العقاب.
ولا بد هنا ايضاً للقارىء القانوني من التوقف مطولا عند طلب تجديد الثقة من الشعب اللبناني!! (وليس من المجتمع الدولي او من مجلس الامن)، لما قد يكون له من دلالات على طول امد التحقيق اولا ومن ثم على مساره او انعطافاته او ربما على التوقيفات التي تمت او التي سوف تتم والتي واكبتها ولا تزال خضات اعلامية كبيرة.
-3 ونتابع القراءة القانونية لنصل الى القسم الثاني من التقرير الذي يحمل عنوان: "التقدم في التحقيق" لنجد تحت المقطعين 16 و17 بأن اللجنة تعي "اهمية تحديد اشخاص مستعدين للادلاء بشهاداتهم في المحاكمات في المستقبل" بحيث ادخلت اللجنة تحسينات في اجراءاتها من اجل "تأمين مناخ امن لأي شاهد محتمل". بحيث ان العبارات المستعملة (تحديد، مستقبل، محتمل) المعطوفة على مضمون هذين المقطعين (حماية الشهود) قد يستنتج منها بأن اللجنة ما زالت مستمرة في البحث عن شهود محتملين او حتى انها توجه نداء لهؤلاء لتقديم شهاداتهم، وهذا امر يؤكد على طلب اللجنة تجديد ثقة الشعب اللبناني رغم التأخر الذي سيطرأ على التحقيق.
-4 وبالفعل فقد اكد المقطع 26 من التقرير على كون "المسؤولين عن الهجوم محترفين واتخذوا تدابير مكثفة لتغطية تحركاتهم واخفاء هويتهم. يركز الجزء الأكبر من نشاط اللجنة في هذه المرحلة من التحقيق على اختراق حاجز الدخان للتوصل الى الحقيقة". اي ما يمكن معه القول بأن نتيجة التحقيق ليست محسومة حتى الساعة.
-5 واستكمالاً في القراءة والبحث، نجد في المقاطع 27 الى 41 من التقرير بأن اشخاصاً جدداً ربما ارتبطوا بما سماه التقرير "شبكة الحريري" وعززت هذه المعلومات استنتاج اللجنة حول ارتباط افراد هذه الشبكة بهجمات اخرى، مع الاشارة الى السلاح الذي استعمل في الاعتداء على الوزير الراحل بيار الجميل، ثم الاشارة صراحة الى ان النتائج المخبرية حول هذه المسألة لم تصدر حتى الساعة.
-6 ويعود التقرير ليؤكد في مقطعه الرقم 42 على انه "لا يزال هناك كم كبير من التحقيقات الاضافية التي يجب القيام بها في كل القضايا الواقعة ضمن نطاق تفويض اللجنة"، بحيث يتعين على المدعي العام (وليس على المحقق الدولي) ان يواصل التحقيق عندما يتسلم مهماته من أجل تحديد القضايا المتصلة بقضية الحريري حسب ما هو منصوص عليه في النظام الاساسي للمحكمة".
-7 ليخلص التقرير الى تأكيد ما حرفيته من نقاط جوهرية:
أ- لن يصدر أي قرار اتهامي قبل أن يتأكد المدعي العام (أي طبعاً بعد المباشرة بعمل المحكمة في آذار 2009 وفقاً للتعريف المحدد تحت البند 1 اعلاه) من توافر أدلة كافية تلبي المعايير القانونية المعمول بها (المقطع 58 من التقرير).
ب- ويجب أن يترافق التزام الشعب اللبناني بقضية العدالة مع احترام الاستقلالية والحياد في الالية القضائية، "واللذين لا يتركان مجالاً لجدول اعمال معد مسبقاً او نتيجة مقررة مسبقاً" (المقطع 64 الذي يشكل خاتمة التقرير).
-8 يستخلص بعد هذه القراءة القانونية ما يأتي:
أ – إن اللجنة لن تنهي التحقيق ضمن فترة التمديد التي ستقرر لها والتي ستنتهي في 28 شباط 2009.
ب – ان التحقيق سينتقل الى المدعي العام بالتزامن مع مباشرة المحكمة لعملها التي يجب ان يفهم منها تسلم المدعي العام لمهماته وليس البدء باجراءات المحاكمة والمرافعات امام قضاة المحكمة.
ج – ان لجنة التحقيق تطلب من الشعب اللبناني تجديد الثقة بالرغم من تأخر التحقيق حاليا وربما مستقبلا بعد انتقاله الى المدعي العام.
د – ان التقرير وعلى الرغم من اشارته الى التقدم في التحقيق، يعود ليؤكد بأنه لن يصدر اي قرار اتهامي قبل ان يتأكد المدعي العام (اي طبعا بعد اول آذار 2009) من توافر ادلة كافية تلبي المعايير القانونية المعمول بها.
هـ – ان التقرير يؤكد خاصة واخيراً ان القرار الاتهامي لم يترك مجالا لجدول اعمال معدا مسبقا او لنتيجة مقررة مسبقا. مع ما لهاتين النقطتين الاخيرتين من معان في ظل الاحكام
المسبقة التي سمعناها ونسمعها هنا وهناك.
(محام متخصص في القانون الدولي محاضر في جامعة القديس يوسفعضو هيئة تحديث القوانين في مجلس النواب اللبناني)
"النهار"




















