ينبغي الافتراض أن الركود لن يكتفي باقالة العمال واغلاق المطاعم الراقية. فتقرير جمعية "سيكوي" لعام 2007 الذي يتحدث بالتفصيل عن مقياس المساواة بين المواطنين اليهود والعرب في اسرائيل، يلمح الى هذا الواقع بكل الاضواء التحذيرية.
لقد وضعت "سيكوي" هدفا لها وهو حث اندماج المواطنين العرب في حياة الدولة. هذه مهمة شبه مستحيلة تماما. من الذي يذكر مثلا قرار حكومة باراك في العام 2000 الذي يعد بأن تكون نسبة العرب من بين موظفي الدولة 10 في المائة كنقطة بداية؟ في عام 2007 كانت نسبة اليهود من بين موظفي الدولة 94.8 في المائة، بينما كانت نسبة العرب من بين موظفي الدولة 5.2 في المائة فقط، وهؤلاء لا يعملون في وظائف ادارية طبعا.
يشكل تقرير "سيكوي" نموذجا يُحتذى للانضباط والتحلي بالمسؤولية والمهنية. الباحثون المختصون في مجالاتهم لا يحذرون ولا يتذمرون، بل يختارون التطرق بالتفصيل الى المقاييس العلمية وتفسيرها. علاوة على ذلك، التقرير الذي يتناول للسنة الثانية على التوالي الأبعاد الاجتماعية الاقتصادية من اللا مساواة بين اليهود والعرب في اسرائيل ويتنازل في هذه الاثناء عن الجوانب الدراماتيكية الهامة لعدم المساواة امام القانون والمساواة السياسية لا يدحرج بالمسؤولية الى عتبة الدولة بشكل حصري.
هكذا،على سبيل المثال، يشير الفصل الذي ينشغل بقياس الجانب الصحي الى حقيقة معروفة في العالم اليوم وهي ان عدم المساواة في الجانب الصحي تنبع بالاساس من فجوات اجتماعية اقتصادية وهذه ـ في الغالب الفوارق في المداخيل والتعليم والعمل ـ ليست من مسؤولية الجهاز الصحي بالتحديد. أضف الى ذلك انه ثمة فوارق ثقافية وغير ثقافية اخرى مثل التلوث والعنف تسهم بدورها في الفجوة القائمة. من الممكن طبعا الادعاء ان عدم ملاءمة الخدمات الصحية مع العادات الثقافية المختلفة ، وكذلك التلوث العنف ومخاطر العمل، هي من مسؤولية الدولة التي سحبت يدها من معالجة كل هذه الامور ـ ولكن تقرير "سيكوي" يرفض الانشغال في الاتهامات، وهو ويفضل توفير الحقائق.
وبالفعل، الحقائق تتحدث عن نفسها وتبرهن على انه، مقارنة بالتقرير السابق، فإن عدم المساواة بين العرب واليهود قد ازداد في كل المجالات. فمعدل وفيات الاطفال، على سبيل المثال، تبلغ 3.6 لكل الف حالة ولادة عند اليهود و 8.4 عند العرب. كما أنه ثمة فرق في متوسط العمر لصالح اليهود. وفي السنوات الاخيرة ازدادت في أوساط العرب نسبة مرضى السكري والسمنة وامراض القلب ـ امراض الفقراء.
في مجال السكن، يمكن ملاحظة وتلمس نسبة التطوير المتدنية التي تتجسد بالاساس في نقص الاراضي العامة والمباني العامة، وعدم الاعتراف بالاحياء العربية في المدن المختلطة (التي تتسبب في حظر الترميمات والتوسيع) ووضع الصعوبات امام المواطنين العرب الذين يحاولون شراء المنازل في الاحياء اليهودية. كما سُجل تراجع نحو الأسوأ في تمثيل العرب في الهيئات التخطيطية وفي نسبة البناء للاغراض العامة. صحيح أن هذه النسبة تقلصت عموما في السنوات الاخيرة الا ان الفجوة بين البناء العام لليهود (24.2 في المائة من مجموع البناء) وبين البناء العام للعرب (3.3 في المائة) كبيرة بشكل خاص.
في مجال الرفاه الاجتماعي، يمكن تلمس الفجوة في نسبة العاملين الاجتماعيين ـ 429 عاملا لكل الف مواطن في الوسط اليهودي ، مقابل 348 عاملا في الوسط العربي، وكذلك الحال مع الاستثمار العام في الرفاه الاجتماعي ـ معدل الانفاق على المنتفع في المستوطنات اليهودية يتراوح بين 1.000 3.500 شيكل، اما في التجمعات العربية فيتراوح بين 860 ـ 1.000 شيكل.
في مجال التعليم تبرز نسبة التسرب العالية من المدارس ـ وهي ضعفا النسبة في اوساط السكان اليهود، والفجوة في مستوى التحصيل في الامتحان الثانوي العام والفجوة في نسبة الطلاب (3.2 في المائة من العرب و 9. في المائة من اليهود). والفجوة في المستحقين شهادة الثانوية العامة المتلائمة مع شروط القبول للجامعات (47 في المائة يهود و 32 في المائة عرب).
في مجال العمل تبرز بصورة خاصة الفجوة في نسبة النساء المشاركات في سوق العمل (55.1 في المائة يهوديات و 17.9 في المائة فقط عربيات)، لكن تشريح التوزع المهني يُظهر أن نسبة عالية نسبيا من النساء العربيات هن من الأكاديميات. والخلاصة شبه بديهية: التعليم العالي يشكل محركا جليا للتغيير الاجتماعي-الاقتصادي.
الصورة العامة هي وجود علاقة عكسية بين نسبة تكاثر الجمهور العربي وبين الخدمات التي يحصل عليها هذا الجمهور، حيث نرى أن التمييز ضده آخذ في الازدياد. الا ان الحقيقة الاشد صعوبة تظهر من بين المعطيات والجداول كالرياح المستطيرة. إنها رياح الاقصاء والكراهية والغربة، التي تهب من تصريحات أُناس مثل آفي ايتام من المفدال، الذي يعد بطرد العرب؛ ومن خلال التبييض الفاضح لميول تهويد المناطق في اسرائيل، وعجز السلطات في ضوء ظواهر مثل ترسيخ معاهد دينية متعصبة في المدن المختلطة تحديدا.
مُعد التقرير المحامي علي حيدر، كتب في مقدمة التقرير: "ان الاجحاف يقوض الاستقرار والتعاضد الاجتماعي". بالفعل، انها حماقة اللا مساواة. ولم نقل حتى الآن كلمة واحدة عن البُعد غير الاخلاقي لهذه الحماقة.
("هآرتس" 10 /12/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















