تجتاز اليونان الآن المرحلة الأكثر دقّة في تاريخها منذ عودتها إلى الديموقراطية عام 1974. فأعمال العنف التي تشهدها أثينا والعديد من المدن الأخرى قد تُغرِق البلاد في أزمة سياسية خطيرة.
وقد انطلقت أعمال الشغب عقب خطأ مأسوي أدّى إلى مقتل فتى في الخامسة عشرة من العمر برصاص شرطي. نتفهّم تماماً رد الفعل الأولي، لكن ما يفاجئ هو حجم الاضطرابات ومدّتها واتساع الدمار.
ففي هذه الفترة التي يخيّم فيها شبح الركود، تواجه حكومة أوروبية هشّة ثورة يشنّها جزء من الشبّان الذين لا يجدون وسيلة أخرى غير العنف للتعبير عن غضبهم. قبل استنتاج خلاصات جازمة، يجب العودة إلى الوقائع.
تجدر الإشارة أولاً إلى أن منفّذي أعمال الشغب ليسوا سوى بضعة آلاف، لكنهم بلا شك منظَّمون على يد نواة صلبة من المقاتلين الفوضويين والمتطرّفين الذين يعملون على إثارتهم. فاليونان التي تفتخر حركتها الطالبية بأنها أسقطت ديكتاتورية الجنرالات، تختلف عن سواها من البلدان الأوروبية بأنها تؤوي حركات راديكالية ناشطة جداً وإرهاباً ينتمي إلى أقصى اليسار ولم يتخلَّ قط عن سلاحه.
هناك أسباب عدّة وراء غضب الشبان، لكن هذا الغضب لا يفسّر كل شيء. فالمنحى الذي اتّخذته الأحداث يعود إلى حد كبير إلى عدم كفاءة الشرطة غير المجهَّزة لهذا النوع من التجاوزات، والتي تقضّ مضجعها منذ يوم السبت فكرة سقوط ضحية أخرى في حال تم اللجوء إلى العنف ضد المتظاهرين. فمن شأن ذلك أن يسبّب كارثة تقود إلى أسوأ أشكال الفوضى. والنتيجة هي أن الشرطة تقف مكتوفة اليدين بينما تتفرّج على المشاغبين وهم يعيثون خراباً في العاصمة والمدن الكبرى الأخرى، ويهاجمون المصارف والمتاجر الفاخرة ورموزاً أخرى للمال أو المؤسسات.
يحصل هذا كله لأن اليونان لم تعرف كيف تتكيّف مع المقتضيات التي يجب توافرها في بلد حديث ولا كيف تبني دولة فاعلة. فالحكومات اليسارية أو اليمينية التي قوّضتها الفضائح والفساد والزبائنية أفادت من السلطة أكثر مما مارستها. وقد أظهر العجز أمام الحرائق التي اجتاحت الغابات في صيف 2007، على الرغم من الوعود التي أُطلِقت، حدود إمكانات الحكومة المحافظة لرئيس الوزراء الحالي كوستاس كارامانليس. وها هي السلطة تظهر من جديد أنها لا تسيطر على شيء.
التململ الذي يشعر به الشبان في اليونان كبير جداً. فمعدّل البطالة في فئتهم العمرية هو الأكبر في أوروبا. ويُعرَف عن نظام التعليم العالي اليوناني بأنه سيئ جداً، كما أن دخول سوق العمل صعب للغاية، حتى بالنسبة إلى حاملي الشهادات. ولا بد من أن يتفاقم التململ مع تدهور الأوضاع العالمية.
هناك عوارض نجدها في أماكن أخرى في أوروبا، لكن كما رأينا، الأزمة التي تعيشها اليونان سياسية ولها سماتها الخاصة. فنحن لسنا أمام أيار 68 جديداً ولا أمام نسخة مطابقة عن أعمال الشغب في الضواحي التي شهدناها في بلادنا عام 2005.
"الفيغارو"
ترجمة نسرين ناضر
"النهار"




















