(حزيرانات) كثيرة حُفرت في تاريخ هزائمنا الحربية مع الصليبيين، والبريطانيين، وغيرهم، ثم الصهاينة، والمتتبع لوقائع التاريخ يُمسك بعديد(النكبات)، و(النكسات)، و(الوكسات) التي احتضنها حزيران، وكأنه اختصاص، أو كأننا أمة مهزومة من قرون لا تعرف غير المنْدَبة، وفتح (بيوت) العزاء لآمالنا وأهدافنا وأحلامنا ..
لكن للخامس من حزيران 1967 نكهته الخاصة التي لا تزول رغم العقود وأكوام العطور التي رشّت للنسيان، وأمواج التغيير والشقلبة، لأنه الهزيمة المفصل، والهزيمة النتاج، والهزيمة التفريخ لما تلى، والهزيمة المُستدامة التي تعرّجت في ثنايا الواقع العربي فأسهمت في تفرّيخ هذا الراهن .
كُتب الكثير عن حزيران : المقدمات والمسار والنتائج والمسؤوليات، وألقيت فيه أطنان التهم، والدموع والحسرات، والتحليلات، وما زال الخامس من حزيران مَجلبة لفتح الصفحات لأنه كان بدء الانحدار والتكويع . بدء الافتراق عن فلسطين قضية العرب الأولى، وفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، وبدء انفكاك وحدة الموقف العربي الرسمي(علنياً) بولوج التسوية التي كان مجرد الاقتراب منها، أو الحديث عنها يعتبر من أفظع المحرّمات(بمرتبة الخيانة)، وإذ بالتسوية (سلاح) النظام العربي الاستراتيجي، وإذ بفلسطين تُضغط وتقزّم إلى الضفة والقطاع وما هو دون ..وإذ بدنيا العرب وأحلامهم غير تلك الدنيا الجامحة، المؤمنة بالتحرير الكامل، وبالوحدة، والتقدّم، ودخول العصر من أبواب مُشْرَعة .. فما الذي حدث؟؟، وماذا حمل حزيران ليكون بهذا(الإخصاب) ؟؟..
****
إن من يبحر في عميق الأسباب التي تقود إلى عموم هزائمنا، ومآل آمالنا، يدرك أنها تتمحور حول تخلف الذهنيات العربية، القائدة منها والسائدة، عن المطلوب، وعن وعي مفردات ومكوّنات وعوامل تحقيق الشعارات والبرامج المطروحة، بما يضعها في موقع حافة الهاوية، والانتحار، أو الشكلانية اللفظية الجاهزة للاستخدام السياسي التمريري . وبالأساس من كل ذلك : وجود الأمة، منذ قرون، في موقع ردّ الفعل وليس الفعل، ونعرف أنه شتّان بين الأمرين . إذ وبينما أعداؤنا، خاصة العدو الصهيوني، يملك مشروعاً استراتيجياً يعرف كيف يمرّحل الوصول إليه بتحقيق متراكم على طريقه، والذي كان التوسع والعدوان، والاستيلاء على فلسطين التاريخية، وقصم ظهر القوى الحيّة في الأمة، وعمليات التفتيت والتقسيم….بعضاً من أركانه يتوسّل الوصول إليها في آليات مبرمجة، وعبر تناغم مع حلفائه وصنّاعه الغربيين من جهة، ووفق مروحة احتمالات تتنوّع فيها الأوراق والخطط من جهة أخرى ..
لم يملك العرب مشروعاً واقعياً، قائداً للنهوض ومواجهة أثقال وأعباء قرون التخلف والانحطاط والاحتلال والتجزئة وتحديات الداخل والخارج . لقد وضعتهم الأحداث في موقع ردّ الفعل . موقع الخائف من آخر واضح الاسم، مخفيّ الفعل، ومن مخططات غير معلومة تماماً، إلا ما أفصح عنه بشكل صارخ، فنما ذهن عربي توجسي، انفعالي مضمّخ بالمبالغة والخوف والمَظهرية، ثم تضخّمت فيه عقلية المؤامرة والتفسير التآمري للتاريخ والأحداث، فاختلط حابل الحقائق بنابل الأوهام والتخيّل، ثم غدت المظهرة سياسة تعتلي الأكتاف والمشاعر، وتعتمد التهييج العاطفي، والدفق الشعاري، والكلام الكبير بدل التمعّن في الممكن، وحساب موازين القوى، وتكريس الواقعية غير الاستسلامية . الواقعية المبنية على المعطيات والقدرات والقابليات، وعلى مَرحلة الأهداف والشعارات وليس رميها دفعة واحدة، وليس إلقاؤها في أجيج الصخب، والتوظيف السياسي لصالح من يحكم، أو من يتوثّب للوصول إلى السلطة .
ـ وبينما كان الذهن العربي : الرسمي والنخبوي والشعبوي معبئَاً، ومعبئِاً على وضع تحرير فلسطين في مقدمة الأهداف المستعجلة، والراهنة، وكأنه قاب قوسين وأدنى من التحقيق، وعلى الحقن المؤكْد بتحريرها خلال أيام.. أظهرت الوقائع الدامية أنه شتّان بين الأهداف والواقع . بين التحرير والإمكانات الفعلية . بل : بين ما يملكه العرب من جيوش وأسلحة وبين ما يملكه العدو، ناهيك عن الجهل بمخططاته الحقيقية، وبعدوانه المرتّب منذ سنوات، بل وقواه الفعلية المتفوقة، وحجم وسقف تحالفاته العضوية بدوائر القرار والتأثير في العالم.. رغم أطنان الكتابات والخطابات عن طبيعته، وعلاقاته بالغرب، وعن الجانب التوسعي ـ العدواني فيه.. حتى إذا ما كان فجر الخامس من حزيران(جوان).. انكشف مستور الأوضاع العربية(خاصة بلدان الطوق)، وفي مقدمها : أوضاع الجيش، وقياداته، وأسلحته، وجاهزيته، وقابلياته على القتال والصمود والمرونة في التعاطي مع أطوار الحرب بعيداً عن الذي جرى من انهيار وإرباك جعل عواصم مصر وسورية والأردن مفتوحة دون حماية، ومرشّحة للسقوط لو قرر العدو ذلك، وعلى تلقي الضربة الأولى .. لتكون تلك الهزيمة المدوّية التي حسمت في أقل من ست ساعات (ساعات قصف وتدمير الطيران المصري والمطارات)، وتلك الأيام الست السريعة التي أكملت فيها" إسرائيل" تحقيق برنامجها المعدّ في الاستيلاء على كامل فلسطين التاريخية بالإضافة إلى الجولان وسيناء، وأراض عربية أخرى في لبنان والأردن .
****
لن نتطرّق هنا إلى أسباب الهزيمة، والمسؤولية عنها، أو مساراتها على الجبهة المصرية والسورية، رغم أنّ الشهية مفتوحة للغوص في ذلك الجدل العنيف حول الأسباب الفعلية، والمباشرة التي أدّت إليها، لأن ذلك يحتاج المزيد من الدراسات والتفاصيل، لذلك نقف عند أهم نتيجة من نتائجها، والتي تتمحور حول فلسطين .
قبل حزيران، ورغم انقسام النظام العربي وخلافاته الإديولوجية والسياسية وغيرها، وجملة الاتهامات المتبادلة بين أطرافه.. إلا أن فلسطين كانت تبدو(على الأقل مظهرياً وفي الإعلام وقرارات الجامعة العربية) هي قضية العرب الأولى . قضيتهم المركزية ـ المحورية التي يتفقون حول موقعها، وإن اختلفوا في المضامين، وفي طريقة وزمن التعامل مع المحتل . وفلسطين تلك هي التاريخية(من البحر إلى النهر) . أي فلسطين ال1948 المغتصبة من الصهاينة، وليست غزة والضفة (وكانتا تحت إشراف مصري وأردني على التوالي) . وحينما أطلقت(فتح) رصاصتها الأولى(غرّة جانفي ـ كانون الثاني 1965) كانت فلسطين تلك هي الغاية وبيت القصيد .
ـ بعد الهزيمة، ورغم لاءات مؤتمر قمة الخرطوم الشهيرة(لا صلح. لا تفاوض . لا اعتراف) التي عُقدت بعيد الهزيمة بأشهر، وبدت وكأنها مجمعة على موقف موحّد، ورغم انقسام العرب حول القرار الصادر عن مجلس الأمن/242/ بين قابل به ومعارض له(وتداعيات ذلك).. إلا أن عملية فصل حدثت بين فلسطين تلك، وبين الوقائع الجديدة التي أصبح عنوان(( إزالة آثار العدوان)) يلخصها . أي تركيز كل الجهود على ما احتلّ في حزيران ولو كان عن طريق تجسيد الشعار الذي رفعه عبد الناصر(( ما أخذ بالقوة لا يستردّ بغير القوة))، وبات واضحاً أن بلبلة أشبه بالغمغمة غير المُفصحة، وربما المقصودة أيضاً غلّفت الموقف من القضية الأساس : فلسطين تلك، وأن وموقفاً عربياً جديداً صنعته الهزيمة يفصح عن نفسه رويداً رويداً، ويستبدل مهمة وهدف التحرير، بل وقضية فلسطين بالذي احتلّ في العدوان ..
عملياً، ورغم وجود القيادة الوطنية في مصر بقيادة الزعيم عبد الناصر التي رفضت على الدوام الحلول الانفرادية، وعمليات الفصم بين الحالة المصرية والحالة العربية(فيما يخصّ الأراضي المحتلة، وفلسطين، على العموم)، ورغم أن القيادة السورية، ومعها عدد من الأنظمة العربية، وفصائل المقاومة الفلسطينية رفضت بإصرار القبول بذلك القرار الأممي لنصّه الصريح على الاعتراف بدولة الكيان، و((الحدود الآمنة، والتطبيع)).. إلا أن مفاعيل الأزمة كانت تسري في بنيان النظام العربي كله بطرق وأساليب متعددة، بدءاً من القبول بالتسوية مع العدو الذي يعني اعترافاً مباشراً بما اغتصب، و تنازلاً مفصلياً عن الحق العربي في فلسطين التاريخية، مروراً بانتعاش قوى وخط المصالحة والتسوية داخل النظم العربية الوطنية، وعلى الصعيد العام، وضغط الموقف الدولي، بما فيه موقف (الحليف الاستراتيجي : المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي)، وصولاً إلى تدشين الارتداد عن الخط السابق، والذي تمّ الإعلان الرسمي عنه بعد الوفاة المفاجئة للزعيم عبد الناصر، ثم ما حدث في سورية بعد أقل من شهر ونصف على ذلك الغياب حين ركل وزير الدفاع(حافظ الأسد) مقررات أعلى سلطة في حزبه، وزجّ بالقيادة في السجن، واعتلى ظهر الحكم.. لبدء مسيرة جديدة تناغمت مع نهج السادات، ومع حصائل الهزيمة الرئيس، والذي صار القبول بالقرار/242/ عنوانها وجسرها .
ـ عملياً حين اعترف النظام العربي(إلا ما ندر) بالقرار الأممي المذكور، رغم صخب شعارات التحرير، ورغم وقوع حرب(تشرين ـ أكتوبر 1973) وبعض نتائجها الإيجابية، فإنه كان يقرّ بتسليم ما اغتصب من فلسطين لدولة الكيان، وأن أقصى المنى استعادة ما احتلّ العام 1967. أي العودة إلى الوضع السابق مع فارق نوعي يتمثل بالاعتراف بالكيان وما فعله لفلسطين . وبالتالي ففلسطين النظام العربي الرسمي باتت هي الضفة والقطاع، وربما ما هو أقل منهما، طالما أنها ستخضع للمساومة والتفاوض والتنازل.. وفق ذلك المسلسل الطويل.. الذي وصلت أطواره البائسة إلى ما نحن فيه الآن .
ـ أكثر من ذلك، فالاتفاق العربي حول التسوية اقتضى تسوية الأوضاع العربية برمتها لتتساوق معه. وطالما أن الثورة الفلسطينية كانت هي الردّ والبديل للهزيمة، وهي الأمل الشعبي الذي انبثق من ركام اليأس والإحباط، وطالما أنها منسجمة مع مبررات انطلاقتها وحملها السلاح : تحرير فلسطين التاريخية.. فإن العمل على ترويضها وتكييفها لتكون متناغمة مع السائد العربي.. أصبح من أهم مهام المرحلة التالية.. ولذلك عرفت عديد حروب الحصار والشق والضغط والتليين والإغواء، ثم إجبارها على الركوب مع الراكبين في قطار التسوية ولو في آخر عرباته المهترئة .
ـ التنازل العربي الرئيس جرّ إلى مزيد من التنازلات المتتالية وفق محطات كانت القمم العربية وما يقدّم فيها من مشاريع واقتراحات، وما تتخذه من قرارات تعبّر بوضوح عن هذا السياق. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فقد طنطن الكثير بقرار قمة الرباط /1974/ الذي اعتبر منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني..باعتباره انتصاراً لفسطين وثورتها، بينما حمل، في جانبه الآخر، تملّصاً عربياً من مسؤولية أعباء القضية، باعتبارها (قضية العرب الأولى)، وإلقاء المسؤولية على الفلسطينيين أساساً، بعد وضعهم في فوهة بركان التسوية الحارق، وبعد كل ما أصابهم من ضعف وترحيل وهزّات . ناهيك عن تلك المشاريع التسووية(الجماعية) التي كانت"إسرائيل" تمزقها قبل أن يجفّ حبرها، وفرضها على الفلسطينيين أولاً، كما حدث في قمة (فاس الثانية) التي عقدت العام1982 بعد الغزو الصهيوني للبنان وإخراج قوات الثورة الفلسطينية منه(بعد قتال وصمود دام لأكثر من ثلاثة أشهر)، ثم في مشاريع((السلام العربي)) التي لم تتوقف، واعتبار السلام هو الخيار الاستراتيجي .
ـ ولعل أهم تلك النتائج، وأكثرها كارثية تلك التي تمثّلت بخروج مصر(العمود الفقري للأمة) من وحدة الموقف العربي، ومن الصراع المباشر، وقبولها بالحل الانفرادي عبر تلك الحركة الدرامية الفاقعة بزيارة القدس من قبل السادات وما حملته من تنازلات، وعقد اتفاقات تسوية وصلح وتطبيع قطعت ظهر التضامن العربي، وكسرت حاجز الصمود العربي، وفتحت الطريق (للخيار الوحيد) : التسويات الانفرادية المتتالية، وعمليات التطبيع المنوّعة الظاهرة والخفية.. بل ووصول الأوضاع العربية إلى توسل الاعتراف من عدوهم، ورشقه بسيل من المشاريع التصالحية التي كان يدوسها بكل ما عرف عنه من صلف وعنجهية ..
ـ حزيران يحضر بقوة في تلاشي الفعل العربي الرسمي وحضوره، وفي الغياب المريب لأي مشروع عربي مستقل يواجه أوضاع الأمة وما أصابها، ويؤشر إلى طرق الخروج من هذا الوضع المأساوي الذي تتلاعب فيه "إسرائيل" والقوى الغربية(وصولاً إلى الاحتلال المباشر)، والبرامج الإقليمية المتعددة.. بما يدلل على أن فعل الهزيمة ما زال هو الأقوى، وأن مفاعيل حزيران ما زالت تنخر الأوضاع العربية، خاصة الرسمية فتلقيها على شطوط نائية خارج التاريخ، والتأثير.. والخوف كبير من أن يصبح خارج الجغرافيا وطن كان يسمى بالوطن العربي .
ـ لكن، بالوقت نفسه، حزيران الحزين ، وهو يئنّ بأعوامه الثالثة والأربعين، أكّد حقيقة تترسّخ كل يوم : أنه بإمكان الأمة الانتصار عليه وعلى نتائجه إذا ما ملكت إرادة الفعل والمقاومة، وإذا ما تحررت شعوبها من الاستبداد المكين، والأحادية التي شرشت فباضت ويلات ومظاهر خطيرة تغطي حياتنا الراهنة، وأن الهزيمة يمكن أن تكون محفّزاً للانطلاق عند وعي أسبابها ودروسها، وطبيعة الصراع(التاريخي) مع العدو الصهيوني الذي سيبقى مفتوحاً حتى نهاياته المنطقية .
إن خط المقاومة متعدد الأشكال . خط الاستناد إلى الشعوب، ومشاركتها صنع حياتها. خط إطلاق الحريات الديمقراطية، والمساواة في مواطنية الوطن، وشرف الانتماء إليه، والإسهام في بنائه. وحق أن يتناغم الحاكم مع رغبات وطموحات شعبه.. هو بديل مجرّب، ووحيد لدفن نتائج حزيران في العقول والوقائع وسياسات النظم، وبدء مسيرة واقعية تبقي الأبواب مفتوحة على صراعنا التاريخي الطويل مع الصهيونية وكيانها.. الذي لن يقدر أحد أن ينهيه من مواقع الاستسلام والخضوع ..
ـ وإذا كان(أسطول الحرية) يرسم بالتضحية والفداء والدماء الطريق الواجب لمواجهة كيان العنصرية والاحتلال، ويقرع الرؤوس العربية بذلك التصميم العالمي الرائع، وبالمواقف التركية المتصاعدة.. فإن الأمة العربية ولودة، ومعطاءة عندما يُفرج عنها، ويتاح لها التعبير الحر عن إرادتها ..
جلال / عقاب يحيى




















