بريشتينا (كوسوفو) – محمد م. الارناؤوط
الحياة – 16/12/08//
غطت التظاهرات شوارع بريشتينا يوم الأربعاء 19/11/2008 احتجاجاً على الاتفاق الذي انتزعه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من بلغراد، ويقضي بالقبول بنشر أفراد البعثة الأوروبية في كوسوفو ابتداء من صباح الثلثاء 9/12/2008. ويمثل الاتفاق الحل الوسط، الذي لا يعجب المتشددين في كوسوفو، كما في بلغراد بطبيعة الحال. ففي بريشتينا قادت التظاهرة الكبيرة، التي وصفت بأنها الأكبر منذ 1999، حركة «تقرير المصير» مع نحو عشرين منظمة من منظمات المجتمع المدني احتجاجاً على ما اعتبروه انتهاكاً لسيادة الدولة الكوسوفية الجديدة التي أعلنت استقلالها في 17/2/2008. وفي المقابل فقد اعتبر المتشددون في المعسكر القومي الصربي ان هذا الاتفاق الذي يمهد لنشر البعثة الأوروبية مكان الإدارة الدولية بموجب القرار 1244 يعني عملياً تخلي صربيا عن كوسوفو.
وفي الواقع كان الاتحاد الأوروبي أقر عشية إعلان الاستقلال الكوسوفي إرسال بعثة أوروبية لمساعدة الدولة الجديدة في مجال الشرطة والقضاء، وهو ما لحظه الدستور الكوسوفي الذي أعطى هذه البعثة وضعية دستورية.
ولكن نشر هذه البعثة الأوروبية (Eluex) تعرقل من قبل روسيا في مجلس الأمن ومن قبل صربيا بواســطة دعمها للصرب في الجزء الشمالي من كوسوفو (جيب متروفيتسا).
ومع تزايد عدد الدول المعترفة بكوسوفو المستقلة ضمن حدودها المعلنة كان الوضع على الأرض يتجه نحو انقسام حقيقي، إذ ان سلطة الدولة المستقلة لم تكن تشمل الجزء الشمالي (شمال نهر ايبار) الذي تقطنه غالبية صربية ساحقة بقيت تعتبر نفسها جزءاً من صربيا وتتعامل مع المعطيات الجديدة على الأرض بالاستناد الى ذلك. ومع ان هذه الأكثرية الساحقة لا تمثل أكثر من 5 في المئة من مجموع السكان في كوسوفو إلا أن الجزء الذي تقطنه (من أغنى مناطق كوسوفو بالثروات الطبيعية) الانفصال عن كوسوفو والاتحاد مع صربيا أو تقسيم كوسوفو، كان يثير بدوره القلق على مستوى الصرب والألبان والبلقان والاتحاد الأوروبي.
فعلى رغم الدعم الذي حظي به الصرب في كوسوفو من قبل الحكومة الصربية لرفض الاستقلال الكوسوفي وكل ما يترتب عليه، وهو الذي اصبح يشكل عبئاً على صربيا مع مرور السنوات ومجالاً للفساد كما تكشف التحقيقات والاعتقالات التي تطول الرموز المحسوبة على حكومة فويسلاف كوشتونيتسا القومية السابقة، إلا أن تقسيم كوسوفو لم يعد مقبولاً من بعض الصرب أيضاً لأنه يعني ببساطة التضحية بصرب الداخل في كوسوفو الذين يعيشون في الأماكن ذات التراث الصربي التاريخي (بيتش وفيسوكي ديتشاني وغراتشانيشا)، والتضحية بـ «اسطورة كوسوفو» باعتبارها «قدس الصرب» كما روّج في سنوات سلوبودان ميلوشيفيتش. وبعبارة أخرى ان فصل الجزء الشمالي (شمال نهر ايبار) عن كوسوفو وضمه الى صربيا يعني عملياً القضاء التدريجي على الوجود الصربي داخل كوسوفو، وهو ليس لمصلحة الصرب وصربيا على المدى الطويل.
ومن ناحية أخرى فإن مبدأ «التقسيم» يعيد الحذر والخوف من فوضى في المنطقة بعد استقرار دام حوالى عشر سنوات وتوج باعتراف مقدونيا والجبل الأسود بكوسوفو المستقلة على أساس خطة اهتيساري التي ضمّنت في الدستور. وبحسب الدستور، الذي يعطي الأقلية الصربية حقوقاً واسعة تنتهك «المساواة» التي نص عليها الدستور نفسه في المقدمة، نجد ان كوسوفو ليس من حقها ان تطالب بأي جزء مجاور (جنوب صربيا أو مقدونيا الغربية) أو ان تطالب بالانضمام الى أية دولة مجاورة (ألبانيا بالتحديد)، لكن مع تفعيل «التقسيم» الذي ينسف دستور كوسوفو الحالي لا يعود ممكناً ضبط مشاعر ومطالب الألبان وغير الألبان في البلقان ضد التوجه الذي يندرج الآن في التحول من «الدولة القومية» الى «دولة المواطنة».
ولا شك في أن تهدئة المشاعر والمخاوف في البلقان مهمة للاتحاد الأوروبي الحريص على إكمال ما بدأه منذ سنوات في سبيل إدماج البلقان في مسيرة التكامل الأوروبي، خصوصاً بعد انضمام سلوفينيا وبلغاريا ورومانيا وترشيح كرواتيا وتوقيع اتفاقية الشراكة مع مقدونيا والبوسنة والجبل الأسود، حيث لم يعد هناك سوى صربيا وكوسوفو خارج هذه المسيرة.
ومن هنا فإن «اتفاق النقاط الست» الذي انتزعه بان كي مون من بلغراد وقدمه لمجلس الأمن في 24/11/2008 قد مهد في الواقع لتوافق جديد في مجلس الأمن في 27/11/2008 لإطلاق البعثة الأوروبية (الاولكس Eulex) في كل كوسوفو بما في ذلك الجزء الشمالي منها ذو الغالبية الصربية. ومع ان التعبير عن هذا التوافق في مجلس الأمن أخذ شكل بيان وليس قراراً جديداً الا ان المهم فيه كان التركيز على قبول بلغراد وبريشتينا للتعاون مع هذا الواقع الجديد.
وككل توافق ديبلوماسي يصاغ بحذر شديد يترك فيه للأطراف المختلفة ان تقرأه على شعبها بالشكل الذي يناسبها نجد ان كلاً من وزير الخارجية الكوسوفي ووزير الخارجية الصربي اعتبر ما حصل إنجازاً لبلاده. وهذا الأمر يشمل الأطراف الفاعلة أيضاً (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا). فقد اعتبر دانيال فرايد مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ان التوافق على إرسال البعثة الأوروبية الى كل كوسوفو إنما هو يدعم «وحدة وسيادة كوسوفو».
وفي المقابل كانت المعارضة القومية في كل من صربيا وكوسوفو تستعد للتعبير عن رفضها لـ «الحل الوسط» الذي تم التوافق عليه في مجلس الأمن. ففي بريتشينا انطلقت التظاهرات مرة أخرى في الشوارع في 1/12/2008 ضد «الانتهاك لسيادة كوسوفو». وفي الطرف الآخر اعتبر دوشان بروركوفيتش المسؤول في الحزب الديموقراطي الصربي الذي يرأسه فويسلاف كوشتونيتسا، في حديث مع جريدة «داناس» البلغرادية المعروفة ان قبول بلغراد بنشر البعثة الأوروبية إنما هو من باب رد الدين للاتحاد الأوروبي على مساعدته لأطراف الحكومة الصربية الحالية خلال انتخابات 2008، وهو بهذا المعنى اعتراف بالأمر الواقع الجديد في كوسوفو.
ولكن ماذا يعني هذا «الحل الوسط» بالنسبة الى واقع ومستقبل كوسوفو؟
«الحل الوسط» الذي يتمثل في الظاهر بنشر البعثة الأوروبية في كل كوسوفو (بما في ذلك الجزء الشمالي ذو الغالبية الصربية) إنما يعني في الواقع توسيع الحكم الذاتي للصرب في الجزء الشمالي في مجالات الشرطة والقضاء والجمارك والحدود، اي انه يقر على الأرض بوجود نظامين مختلفين ضمن كوسوفو الواحدة.
وبعبارة أخرى يمكن القول إن مع هذا «الحل الوسط» سنصل الى كيان صربي ضمن كوسوفو على نحو مشابه لما هو موجود في البوسنة من دون ان يكون مطابقاً لما هو موجود هناك (جمهورية أخرى للصرب). فتجربة البوسنة الدايتونية متعثرة منذ 1995، وهي الآن تعرقل تطبيق اتفاقية الشراكة التي وقعت أخيراً مع الاتحاد الأوروبي، إذ ان الاتحاد الأوروبي يطالب بإصلاحات إدارية وأمنية تعزز وجود الدولة الواحدة حتى تنتقل البوسنة الى المرحلة الثانية كدولة مرشحة.
ومن ناحية أخرى، تعكس جريدة «شكولي» في تيرانا (عدد 25/11/2008) الحذر بل المخاوف في الدول المجاورة لكوسوفو من «البَوْسَنَة» وإمكان امتدادها الى الدول المجاورة. وتصادف بدء نشر البعثة الأوروبية مع الاحتفال بتسلم أهتيساري جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهوده في حل النزاعات وآخرها في كوسوفو التي أعلنت استقلالها بالاستناد الى خطته (الاستقلال المشروط). وقال أهتيساري بهذه المناسبة ان حوالى خمسين دولة. تمثل 65 الى 70 من الاقتصاد العالمي قد اعترفت باستقلال كوسوفو، ولذلك فإن استقلالها نهائي ولا يمكن الرجوع عنه. ومن ناحية أخرى، فقد أقر الرئيس الصربي تادنيتش مع موافقة بلغراد على نشر البعثة الأوروبية انه سيأتي اليوم الذي ستضطر بلغراد الى الجلوس مع الممثلين الشرعيين للألبان في كوسوفو والتباحث حول الأمور المشتركة
(جريدة «شوكلي» 30/11/2008).




















