ليس بلعبة الشطرنج.. وعلى أساس أن كل لاعب شرق أوسطي يحق له اختيار اللعبة التي يجيدها والتي يبرع فيها. وفي هذا الشرق الأوسط حيث فشل اللاعب الأميركي في المبارزة القتالية، تفوق وعلى مدى السنوات التي خلت، اللاعب الإيراني بلعبة الشطرنج التي مارسها وأتقنها خير إتقان. ولقد اعترف العالمان العربي والغربي لإيران بهذه البراعة، ولكن فقط بنسبة قدرتها على التحكم بعاملي الوقت والديماغوجية في الوقت نفسه، وليس لأنها توصلت لتحقيق أهدافها بواسطة هذا التفوق.
عرفت إيران كيف تتعامل مع المجتمع الدولي، ولكنها ربما لم تكن تتوقع دخول لاعب شرق أوسطي جديد على الساحة، يطرح قواعد للعبة جديدة تذكر بلعبة البليار. وبالنسبة لهذه اللعبة التي تتطلب طاولة كبيرة وطابات متعددة، نشير إلى أن لاعب البليار يتبع في هذه اللعبة قواعد محدودة منها الدقة في التركيز كما وأيضاً السرعة في الحركة. والجدير بالذكر أن اللاعب عندما يضرب طابة غالباً ما يتقصد إصابة أخرى. بمعنى أن التكتيك في هذه اللعبة يتقصد إصابة هدف ما ولكن بشكل غير مباشر.
استراتيجية تركيا الشرق أوسطية بدأت في السير على أسس ومرتكزات هذه اللعبة. فعندما اصطدمت تركيا بالرفض الأوروبي وبخاصة الفرنسي في ما خص انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، التفتت إلى "العمق الاستراتيجي" الشرق أوسطي على حد تعبير وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. واعتبرت أن أفضل وسيلة لإعادة فرض دخولها إلى هذا النادي الأوروبي، يكمن في تقديم نفسها كلاعب نافذ ومحوري في منطقة الشرق الأوسط. ولأن سيرتها الذاتية وموقعها الجيوستراتيجي، ومحوريتها الأساسية والطبيعية، لم تكن كافية لقبولها في النادي الأوروبي، كان لا بد من إطلاق مشهدية جديدة ضمن تحرك شرق أوسطي، دراماتيكي، تلمع صورتها في عيون جارتها الغربية أوروبا، وترضي في الوقت نفسه حليفتها التاريخية الأولى الولايات المتحدة الأميركية.
نظرت تركيا إلى الشرق العربي، ورأت أن لا بد لها من تثبيت دورها الشرق أوسطي المنشود عن طريق مقاربة الملفين الشائكين العالقين أي الملف النووي الإيراني والملف الفلسطيني. تقربت أولاً من سوريا وطرحت نفسها كوسيط بينها وبين إسرائيل. فشلت هذه المحاولة لاصطدامها بالتعنت الإسرائيلي المعهود، وأحبطتها حرب إسرائيل على غزة. وخرج أردوغان من مؤتمر دافوس غاضباً مزمجراً وهو يذكر بيريز بأن تركيا ليست "دولة قبيلة"، وبأنها جمهورية حضارية وعليه التعامل معها على هذا الأساس. وكانت هذه أول هفوة لتركيا سجلتها لها الدول العربية. ولكن تركيا ما لبثت أن وقعت في المطب ذاته عندما عاود أردوغان الكرة بعد الهجوم الإسرائيلي البربري على قافلة السلام البحرية، والتي رعتها تركيا، ليذكر نتنياهو بأن تركيا ليست "دولة قبيلة"، وأن التعامل مع عداوتها قد يكون أصعب من التعامل مع صداقتها. ولكن هذا الموقف ليس في صلب حديثنا إلا أنه من الأكيد لن يخدم استراتيجية تركيا العربية في المستقبل، حيث أنه من المتوقع على العكس أن يثير هذا الكلام الفوقي والاستفزازي ردة فعل حانقة.
ولكن وبالعودة لما سبق وبعد فشل المفاوضات غير المباشرة، نظرت تركيا إلى إيران وإلى الملف النووي العالق، ورأت أنه لا بد لها من دعمٍ لدولة عظمى في تحركها للتقرب من إيران، دولة لا يكون لها طابع غربي، يثير حفيظة الجمهورية الإسلامية. فاختارت البرازيل وكان اختيارها موفقاً. إلا أن الاتفاقية الثلاثية في نهاية المحادثات لم تكن لترضي المجتمع الدولي لأنها لم تأخذ بالاعتبار مسألة شفافية البرنامج النووي، كما لم تلحظ، (أي الاتفاقية) من ناحية أخرى، مصير ما يقارب النسبة نفسها من اليورانيوم الخام الذي سوف يبقي في إيران أي 1200 كيلوغرام، بعد إرسال الكمية المتفق عليها إلى تركيا. وهو اتفاق لم يرضِ المجتمع الدولي. ولكن تركيا التي أدركت جيداً هذا الأمر وربما بشكل مسبق أرادت بالرغم من ذلك مراعاة خاطر طهران والبقاء إلى جانبها كسباً لمودة دول الممانعة الأخرى وجرياً على فلسفة أحمد داوود أوغلو التي تتمسك بقانون "الصفر من الأعداء في الجوار".
أدركت تركيا بعد فشل هاتين المبادرتين بأنها عادت إلى خانة الصفر. وكان لا بد لها من ردة فعل سريعة وعملية ترضي بها في الوقت نفسه جيرانها في العالم العربي، وتخدم استرتيجية المجتمع الدولي والولايات المتحدة في ما خص الملف النووي الإيراني. فكانت قافلة السلام التي أتت لتدغدغ مشاعر ملايين العرب والمسلمين، ولتكسب تركيا من ورائها تصفيق الشعوب والأنظمة العربية والإسلامية قاطبة، وتنتزع الدور المحوري من منافستها طهران، ولكن مع المحافظة على أحسن العلاقات معها.
والاستراتيجية التركية كانت تراهن على ردة الفعل الإسرائيلية، وأن قافلة من هذا النوع سوف تحث حكومتها على القيام بعمل أحمق يدينها على المستوين الداخلي والخارجي. راهنت تركيا على غباء الحكومة الإسرائيلية وربحت الرهان. وقام العالم أجمع ليصرخ بوجه إسرائيل، لارتكابها عملاً مجنوناً بربرياً منافياً للأخلاق، ويناهض شرعة حقوق الإنسان. وارتبكت الحكومة الإسرائيلية نتيجة هذه الهجمة الدولية عليها، وتحملت الحكومة الإسرائيلية شتى أنواع الاتهامات بالغباء والتسرع. ولكن في الوقت نفسه حققت تركيا هدفها الأساسي.
بالمختصر يمكن القول بأن تركيا نجحت هذه المرة حيث فشلت في المرة السابقة. وما تجدر الإشارة إليه أيضاً هو أن تركيا أصابت إيران بطابة "القافلة البحرية"، من ناحية أن القافلة ساهمت وإن بشكل غير مباشر في تسريع عملية إنزال العقوبات بإيران، تماماً كما يضرب اللاعب طابة ليصيب أخرى. هنا تكمن حذاقة لاعب البليار التركي، والذي تفوق من بعيد على ما يمكن تسميته بالديماغوجية الإيرانية. أما وقد تبين بأن لا الصبر الإيراني في حياكة السجاد، ولا الذكاء المطلوب في لعبة الشطرنج استطاعا أن يحققا وبهذه السرعة القصوى، هذا الكم من النقاط. بالتالي يمكن القول بأن القدرة التركية على إدارة مشاكل وملفات الشرق الأوسط تفوق تلك التي حضرناها سابقاً مع الجمهورية الإسلامية. ولهذه الأسباب أيضاً قد لا يكون مستبعداً أن ينتزع الذكاء التركي المبادرة المحورية الإقليمية من يد إيران خصوصاً وأن إيران بعد رضوخها للعقوبات سوف تصبح بعالم آخر.
"المستقبل"




















