عادت أزمة دارفور بقوة إلى المقدمة، ورغم قرب الاستفتاء في الجنوب، إلا أنني أعتقد بيقين أن مقتل الدولة السودانية الموحدة سوف يأتي من الغرب، وليس من الجنوب. ففي الأيام القليلة الماضية تجدد القتال بصورة شرسة.
واستمر التعتيم وعدم نشر المعلومات، مما يعطي المجال للشائعات والتخمينات. وتجدد الربط بين تطورات دارفور واعتقال الشيخ حسن الترابي وملاحقات أعضاء المؤتمر الشعبي.
وجاء موضوع خليل إبراهيم في تشاد، ثم الجمود المفاجئ الذي تعيشه مفاوضات الدوحة، وموقف المفاوضين غير المتوقع، وظهور كلمة «تقرير المصير». وأخيرا عاد أوكامبو إلى هوايته المفضلة، «سهر الجداد ولا نومو» كما يقول السودانيون، فقد طالب مجلس الأمن بالضغط على السودان للتعاون مع المحكمة الجنائية.
وفوق كل هذا، ما زالت أزمة «سوق المواسير» المالية تزيد من التوتر وعدم الاستقرار، رغم أن النظام يعتمد على النسيان ومرور الوقت في حل الأزمة.
ورغم أنني كتبت قبل أسابيع قليلة، في نفس هذه الصحيفة، عن الاتفاق الإطاري، بطريقة شبه متفائلة، الا أن تسارع الاحداث استوجب العودة مرة أخرى للموضوع. فالمؤتمر الوطني يستمتع بسياسة فرّق تسد الاستعمارية. فمن المستحيل تجنب أو الهروب من ضرورة توحيد الفصائل الدارفورية، ثم التفاوض حول ورقة عمل يتفق حولها جميع الاطراف.
فمن المؤكد أن سياسة «الاستفراد» التي يلعب بها المؤتمر الوطني، مجرد عبث عقيم، مسدود الافق. ولا يمكن أن يجلس، كل مرة، أمام الوفد الحكومي على طاولة المفاوضات وجه جديد.
ولا أدري ما هو موقف الوسيط القطري من هذه اللعبة السمجة؟ وهذا بدوره يطرح السؤال: هل هناك ضرورة وحاجة حقيقية لهذا الحشد من الحركات والفصائل ومن الزعماء؟ وبالصدفة زرت الدوحة خلال الفترة الماضية، ونزلت في نفس فندق الوفود.
وكنت كل مرة أسأل نفسي هل هذه مفاوضات أم دورة أولمبية يحضرها كل هذا العدد من اللاعبين؟ وفي هذا الصدد يجيء إلى خاطري تمرين في حل النزاعات، وهو توزيع استبيان على الفصائل يشمل هذه الاسئلة: ما هو الدافع لتكوين الفصيل؟ وما هي المطالب التي لم يذكرها الآخرون وحدت بهم لتكوين فصيل؟
وما هي نقاط الخلاف الجوهرية التي تميزهم عن بقية الفصائل؟ ما هي تحفظاتكم على التوحيد، أي ماذا سوف تفقد دارفور من مثل هذا التوحيد؟ والسؤال عن حجم العضوية وإبرازها ضروري، لتجنب الجدل حول الاوزان والوجود في الميدان. وهذا سؤال في حقيقته يختبر: من أين اكتسبت حركة معينة شرعيتها والحق في الحديث عن أهل دارفور والسودان عموما؟!
كل الاطراف ـ النظام والحركات الدارفورية ـ تتميز بقدر كبير من عدم الجدية، وأحيانا تبدو وكأنها محتارة أو جاهلة. فقد تعقدت الأزمة كثيرا، ولم يكن نظام الانقاذ سيئ التقدير يتوقع أن تصل هذا الحد.
فقد رفض النظام الاعتراف بأن ما يدور في دارفور هو صراع سياسي يقوم به مهمشون، وكان يصر على أنه صراع قبلي أو صراعات قبلية، يمكن أن تحل أمنيا. وأصر على اطلاق تسمية: النهب المسلح، على العمل العسكري.
وكان النظام يرسل بعض الشيوخ وزعماء القبائل للتوسط، ورغم مرور كل هذه السنوات لم يغيّر تفكيره، وفهم قضية دارفور على أنها جزء من فشل السودانيين منذ الاستقلال، في بناء دولة وطنية حديثة تسع الجميع.
وهذا سبب فشل اتفاقية أبوجا، حين فهم النظام أن تقسيم أو قسمة الثروة والسلطة، تعني رشوة أحد ابناء دارفور بمنصب بلا صلاحيات، والاغداق على فئة من نخبة دارفور ودمجها في دورة الفساد. وهذا ما يفسر احتمال عودة «مناوي» وحركة تحرير السودان إلى رفع السلاح. ومن ناحية أخرى، لا تعني المشاركة بأي حال من الاحوال، حق النظام في اختيار وانتقاء مفاوضيه كما يشاء.
عادت دارفور مرة أخرى لكي تمثل قرحة نازفة لنظام الانقاذ. وحين أقول نظام الانقاذ لا تعوزني الدقة، لأنني لا أرى الشريك، الحركة الشعبية، في كل هذا الحراك. ما زال الموت يحصد أهل دارفور، رغم الوساطات، وتكوين الحركات والتحالفات الجديدة، والاطلالات الرائقة من المحطات الفضائية.
فقد أصدرت اليوناميد (قوات الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي) وثيقة سرية، تبين أن 600 شخص فقدوا أرواحهم في صدامات بين الجيش السوداني والحركات المسلحة خلال شهر مايو 2010. وهذه النسبة هي الأعلى منذ وجود هذه القوات (الهجين) في عام 2008.
وهنا يظهر عدم الجدية، لأن الاطراف لا تشعر بالزمن وأن كل لحظة تمر تعني مزيدا من المعاناة، وزيادة في أعداد وفيات الاطفال والنساء، وأصبحت القضية بالنسبة لهم مثل لوحة تجريدية، يتجادلون حولها في ردهات فندق شيراتون الدوحة أو موفينبيك. هذا الوقت الضائع يعني مزيدا من الموتى، وليس بالضرورة أن يكون ذلك بالقصف حتى يثير نخوة المناضلين والثوار.
يتحدث بعض المسؤولين عن «رتق النسيج الاجتماعي في دارفور»، بينما الصراعات وصلت حدا لا يمكن العودة منه إلا بمعجزة. ومن المفزع أن التقسيمات القبلية اكتسبت شرعية سياسية وإدارية، فقد انتكست جهود المصالحة بين القبائل الكبيرة أكثر من مرة، لينتقل الأمر لمستوى آخر خطير، هو كيف يمكن ترسيم الحدود القبلية بحيث يتجنب السكان النزاعات!
وكانت البداية في جنوب دارفور بين قبيلتيّ الفلاتة والهبانية، حيث بدأت الحكومة في تحديد الحدود، ولكن ذلك تسبب في نزاع آخر لتمسك كل طرف بحدود يراها هي الصحيحة. وكانت النتيجة مقتل 525 قتيلا وإصابة 456 من القبيلتين، بالاضافة لفقدان 24 رجلا لا يعرف مصيرهم (الاحداث 8/1/2009)!
وقد شكل والي جنوب دارفور لجنة برئاسة مفوض حقوق الانسان، ومشاركة ممثلين للجيش والشرطة والأمن والقبيلتين، ما يعني إقرار السلطة لمبدأ ترسيم الحدود القبلية، ومع ذلك لا ينقطع الحديث عن الوحدة الوطنية وعن السودان الموحد! وأخشي أن تكون أزمة دارفور قد اعادت القبلية بابشع صورها إلى الحياة السياسية، كما أعادت الادارة الأهلية مجددا لتحكم السودان.
لقد هدد الرئيس عمر البشير بأن الجولة الحالية من المفاوضات، هي آخر فرصة ولمّح إلى نفاد الصبر. وبالفعل، في الأشهر القادمة سيكون الشعار: لا صوت يعلو فوق صوت الاستفتاء!
وسوف ينشغل السودانيون بتقرير المصير وإجراءات ما بعد الانفصال. وبعدها مباشرة قد يتجهون إلى استفتاء تقرير مصير دارفور، ولكن هذه المرة ستكون خبرتهم في إجراءات ما بعد الانفصال أفضل من حالة الجنوب.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
"البيان"




















