لاشك أن الإرباك العام الذي تثيره الأدوار المتصاعدة في الشؤون العربية لإيران وتركيا، يعود أساساً إلى الضعف الذي بات يعتري العرب بعد افتقادهم القوة العراقية، حين بات العراق منذ التسعينات أهم نقاط الضعف العربي بدلاً من أن يكون أحد روافد قوته، تلك القوة التي تجلت بعد خروج العراق من حربه مع إيران منتصراً نسبياً، غير أنه ما لبث أن فقد كل مزاياه إثر مغامرة قيادته في غزو الكويت الأمر الذي أنزل به الويلات. ومع تهاوي قوة العراق أمام الغزو الخارجي، انطلقت إيران ومن بعدها تركيا لملء فراغ القوة الذي تركه غياب القوة العراقية.
اتخذ (اقتراب) هاتين الدولتين من العرب مسلكين مختلفين، اتخذ (الاقتراب) الإيراني من بلادنا طابع التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، فحاولت بإصرار مستمر على اختراق الجسد الوطني لكل بلد عربي على حده، وذلك بتوظيف التمايزات (المذهبية) للدخول إلى هذه الدولة أو تلك عن طريق العلاقات المذهبية دون اكتراث بالشرعية السياسية للدولة أو امتطاء بعض اتجاهات الإسلام السياسي السني الطامعين بالسلطة، بل عمدت إلى تأجيج تلك التمايزات المذهبية لإحداث انكسارات في الجسد الوطني ، ليسهل عليها فيما بعد اختراق هذا الجسد وتفكيكه ، وأحياناً أخذ تدخلها أسلوب الاحتلال المباشر (احتلال الجزر الثلاث في الأمارات)، أو صيغة التهديد بالاحتلال(مملكة البحرين) أو بالعدوان على حرية الملاحة في الخليج، التي تصر بقوة لا تخلو من التهديد على تسميته(الخليج الفارسي). وهي تحاول أن تغطي على سياستها تلك برفع شعارات متطرفة وراديكالية تجاه حل الصراع العربي الإسرائيلي، وتوريط العرب عبر المنظمات المتطرفة التابعة لها في حروب لا تنتهي مع إسرائيل، تُستنزف فيها طاقاتهم وتضعفهم، وتخلق الأجواء المواتية لتقوية موقعها وقدرتها على التدخل في شؤونهم.
قياساً إلى هذه السياسية الإيرانية الراديكالية (المجاهدة) في الشكل والمدمرة للقوة العربية في المضمون، يبدو المسلك التركي قد أخذ مسلكاً مختلفاُ في الشكل والمضمون، لقد حاولت الديبلوماسية التركية أن تنخرط وتتلاقى مع السياسية العربية من منطق المصالح المتبادلة، وعلى قاعدة الاحترام المتبادل والدخول إلى الأوطان من أبواب الشرعية الدولاتية، من دون أن تغامر بالرهان على التشققات في الجسم الوطني والركوب على خلافاته وتنوعاته. ولم تُظهر ما ينم عن أطماع في الهيمنة أو التوسع، ولم تقم باللعب على سياسة المحاور العربية التي ساهمت إيران بتغذيتها، ولم تركب سياسة شعبوية لها رواجها الواسع في الشارع العربي وتنادي بحروب جربها العرب والصهاينة قرن من الزمان وبات الطرفان بحاجة إلى تسوية تاريخية يتعايشان فيها إلى ما شاء الله، هذه التسوية القائمة على اعتراف الطرفين بعجزهما عن تحقيق مشاريعهما الاستراتيجية الأولى. فالحركة القومية العربية عجزت عن تحقيق استرايجيتها في تحرير فلسطين من الإستيطان الصهيوني، وعجزت الصهيونية عن تحقيق استراتيجيتها المستحيلة في (إسرائيل الكبرى)، وبات الطرفان يعرفان تكلفة الحرب التدميرية وإن بقيت بعض نخب إسرائيل تكابر في إعلان دفن هذا الحلم مع أنهم أقروا بمبدأ (الإنسحاب): انسحبوا من سيناء، ثم غزة وأغلب الضفة الغربية وإن بقي الصراع على الباقي.
ولقد شجع العرب جميعاً سياسة التقارب التركية بالعرب ، ووجدوها نافعة مرحلياً واستراتيجياً، فبالاضافة إلى المنافع التي يجنيها الطرفان من هذه العلاقة القائمة على تبادل المنافع، فتركيا يمكن أن تكون بوابة العرب إلى أوربا، وأن تكون عاملاً مساعداً للوصول إلى التسوية لعلاقاتها مع إسرائيل والعرب، فضلاً عن أن تركيا تزيح بتنامي دورها الإيجابي الدور الإيراني المثير للانقسام والمتاعب. أتت الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل في عرض البحر، والتي انتهت بهزيمة مدوية لإسرائيل على الصعيدين الأخلاقي والسياسي، لكنها لم تقد إلى نصر فعلي للفلسطينيين، لأن الفلسطينيين مازالوا يفتقدون إلى الوحدة. أما عن تركيا فيمكن القول أنه منذ اليوم الأول للجريمة الإسرائيلية شهد المسرح السياسي الشرق أوسطي تنامي الدور التركي بطريقة غير مسبوقة وعلى الأخص شعبياً، بالقدر نفسه الذي تراجع فيه الدور الإيراني .
غير إن هذا النجاح يظل مرهوناً بثبات سياسة تركية التي عهدناها، وبأن تحافظ على دورها المساعد على التسوية بدعم العرب والفلسطينيين تحت مظلة المبادرة العربية التي ما تزال تمنح السياسة العربية أفقاً استراتيجياً، وأن لا تركب على الطريقة الإيرانية الشعارات الشعبوية الراديكالية، التي لن يجني منها الفلسطينيون سوى الدماء والدموع. والحال، إن توظيف تركيا والفلسطينيين والعرب لهذه النكسة الإسرائيلية بطريق مناسبة ومجدية، هو في تضافر الجهود التركية والعربية وبالحصول على الدعم الأوربي الممكن والدولي، لفك الحصار عن غزة في سياق دعم مفهوم التسوية الشاملة تجعل العرب والفلسطينيين والأتراك في أفق استراتيجي مشترك.




















