نودّع اليوم التظاهرة الأكثر شعبية في الكون، وهي منافسات كأس العالم في كرة القدم، بعد شهر من البهجة التي اشتركت فيها شعوب الأرض، وهم يتابعون التباري على تحقيق النجاحات في الملاعب، من دون أي امتيازات لهذه الدولة أو تلك، صغيرة أم كبيرة، قوية أو مستضعفة، متقدمة أم محدودة الإمكانات.
كان شهراً من التعايش الإنساني الخالص، لا تفوّق فيه لأحد إلا باللعب الذي يحتكم إلى قوانين متوافق عليها، وأمام أنظار ملايين الملايين. الأخطاء والتجاوزات ظاهرة، والعقوبات تؤخذ في وقتها.
وثمة النجاحات والإنجازات، والخسارات والإخفاقات، التي يتوحد البشر في تظهير انفعالاتهم ومشاعرهم بشأنها، ويعبّرون عن انحيازاتهم بروح أخوية راقية. ويضاعف من أهمية التظاهرة التي تختتم اليوم، بتسلم الفريق الذي يستحق كأس العالم، أنها أقيمت في جنوب إفريقيا التي انتصر مواطنوها، سوداً وبيضاً، على التمييز العنصري البغيض، وتوصلوا إلى نظام سياسي متقدم ديمقراطياً بعد نضالات طويلة.
نؤشر إلى ذلك كله، لأن الإنسان في كل مطارح الأرض يتطلع إلى أن تتحقق العدالة حواليه، فيغيب التسلط والظلم والاستعداء، وتنعدم الفوقية والاستعلائية اللتان تمارسها دول ضد دول، وتتسرب أشياء منهما إلى شعوب تتفشى فيها مشاعر مستنكرة ضد شعوب أخرى.
إنها أشواق حارّة إلى أن يتوحد البشر في نزوعهم إلى أن يسود الحقّ على ما عداه، وإلى أن يُعاينوا أمامهم تحقّق المشترك الذي يجمعهم، كما هي أحزانهم وأفراحهم في خسارات هنا وانتصارات هناك في مباريات كرة القدم.
ويزيد من وجاهة هذا التطلع الإنساني الواسع أن الخبرة البشرية أوجدت إطاراً جامعاً ينظم الموسم الدوري كل أربع سنوات، وهو الاتحاد العالمي لكرة القدم، (الفيفا)، له سلطاته التي تنصاع إليها كل الحكومات، فلا يجوز لأي منها أن تتعدّى على تلك الصلاحيات والسلطات.
وقد استطاع هذا الاتحاد منذ انتظم، قبل أكثر من مئة عام، أن يجعل لقوانينه ودستوره وأنظمته الهيبة التي تفرض نفسها، وما أحوجنا إلى مثلها، حيث المنازعات عديدة، وحيث ان دولاً تهزأ بالقانون الدولي، وأن سياسات قوى عظمى تحركها نزعات الهيمنة والاستحواذ.
نودّع مباريات كأس العالم اليوم، ونحن في شوقنا إلى أن يكون التباري بين الدول والشعوب على ما يبهج البشر ويسعدهم، وليس على التسلح والتوسع والنفوذ.




















