في الوقت الذي تشتد فيه الحملات من قبل قوى 8 آذار عبر تصريحات مسؤوليها أو وسائل إعلامها على كل صحافي أو مثقف يتجرأ على مخالفة قراءتهم لأبعاد المحكمة الدولية وقراراتها على أنها منتج إسرائيلي فقط لا غير، وآخرها تهديد بالقتل على لسان "مسؤول أمني"، يأتي قرار الأمن العام بالامتناع عن تجديد إقامة النائب السوري سابقاً والمعارض للنظام مأمون الحمصي ليطرح العديد من التساؤلات حول هامش الحريات في العاصمة اللبنانية.
تتصاعد الهواجس لدى شريحة كبيرة من الإعلاميين والمثقفين اللبنانيين، تحديداً أولئك الذين خاضوا النضال حفاظاً على الحريات العامة منذ ما قبل انتفاضة الاستقلال وما بعدها، من جملة أحداث تراكمت في الفترة الأخيرة وتصب في خانة واحدة: جعل بيروت مدينة أقل أمناً وحرية.
وإذا كان قرار الأمن العام "مفهوماً" لكونه يقع خارج نفوذ قوى 14 آذار لأسباب معروفة، فإن سكوت هذه القوى عما حصل في ما بدا أنه يأتي ضمن مناخ صفقاتي ما، يجعل الأمور أكثر إيلاماً وتعقيداً.
ففي حين أنه من حق السلطة الإدارية رفض تجديد إقامة أي أجنبي فوق الأراضي اللبنانية – ووحده اللبناني لا يمكن إجباره على الرحيل من بلده (حتى إشعار آخر؟؟) – حتى لو لم يرتكب أي مخالفة، فإنه جرت العادة ألا تستخدم السلطات اللبنانية حقها "التعسفي" هذا من دون سبب، بحسب نقيب سابق للمحامين.
لكن يبدو أن سبل مواجهة هذا القرار "السياسي" للقوى اللبنانية كافة من المعسكرين، ممكن بوجود قضاة لبنانيين اعتادوا أن ينصفوا الحق الإنساني بالاستناد إلى المواثيق الدولية.
فبحسب أحد نواب البرلمان اللبناني المعروف بباعه الطويل في متابعة قضايا الحريات وحقوق الإنسان، يمكن – بل ويحق- للسلطات ترحيل المقيم الأجنبي بشكل استنسابي لكنه مع ذلك يعتبر أن هناك "قطبة سياسية" في قضية الحمصي.
ويوضح النائب اللبناني أنه مع ذلك فإنه لا يمكن للسلطات اللبنانية ترحيل اللاجئ السياسي – وهذا لا ينطبق إلا على أوكاموتو – وكذلك منع القضاء اللبناني في العديد من الأحكام ترحيل عراقيين وسودانيين كانوا تسللوا إلى لبنان وتسجلوا لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فمنحوا إقامات لمدة ستة أشهر، لكن لما انتهت هذه المدة وأرادت السلطات ترحيلهم رفعوا دعاوى فما كان من القضاء إلا الحكم بمنع ترحيلهم لأنهم يواجهون حتى في بلادهم، خطراً جسدياً أو خطر السجن، وذلك في أحكام استندت إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يمنع ترحيل اللاجئ حتى إلى بلده إذا كان الترحيل يلحق الموت أو الضرر الجسدي وغيره، على الرغم من أن لبنان ليس من الدول الموقعة عليه.
وفي هذا الإطار، فإن مأمون الحمصي هو مقيم لكنه في الوقت عينه مسجل على لوائح لاجئي الأمم المتحدة في بيروت وبالتالي فإنه يمكن للقضاء اللبناني وقف الترحيل، مع العلم أن جهات دولية تعرض استقباله.
لكن وبعيداً عن هذا الجانب القانوني البحت، هناك أصوات بدأت ترتفع في أوساط إعلاميين ومثقفين وناشطي مجتمع مدني بأنه "ممنوع" أن يحدث ذلك في بيروت.
فتراكم الأحداث الأخيرة، يلقي مزيدا من الشك حول ما يجري، وهنا بعضها: بحث قانون خاص بالإعلام، ومنه الإعلام الإلكتروني، في لجان مجلس النواب تحت ستار إعطاء الحقوق للصحافيين الإلكترونيين وضم الإعلاميين التلفزيونيين إلى نقابة المحررين، لكن بالتأكيد سيعني ذلك تقييداً للحريات، وقضية "شباب الفايسبوك" الثلاثة الذين جرى اعتقالهم لأنهم وجهوا انتقادات لرئيس الجمهورية، ومن ثم دخول الاستخبارات الإيرانية إلى سجن زحلة للتحقيق مع موقوفين إيرانيين من زهدان وينتمون للمعارضة بالطبع، وقضية حزب التحرير أخيراً (بغض النظر عن الاختلاف الإيديولوجي معه).
بالطبع "ممنوع" أن يحدث هذا في بيروت مدينة الحريات، كما "ممنوع" أن تتحول أجهزة الأمن إلى أداة قمع فتعتدي على سودانيين وغيرهم وتكيل لهم شتائم عنصرية فقط لأنهم أقاموا حفلة غنائية، بينما يأتي التبرير من أعلى مستويات القيادة بأن ذلك جاء وكأنه رد على ما يعانيه اللبنانيون في الخارج.
لا يمكن أن يحدث ذلك في بيروت، وإن كانت الظروف السياسية الثقيلة التي شهدتها البلاد منذ 2005 منعت إثارة قضية الاعتداء على العمال السوريين في لبنان بشكل جدي، فذلك لا يعني أنه من المقبول أن نقبل تحول القوى الأمنية إلى قوى عنصرية في وقت تستعف فيه عن ممارسة سلطاتها تجاه "اشتباكات" في الأوزاعي كادت تسقط طائرة مدنية!
هناك نضالات يجب حمايتها، وذلك يكون بأن يبقى هذا اللبنان وعاصمتنا بيروت مدينة للحريات العامة والكتاب والنشر والفكر والإبداع.
بالطبع "ممنوع" أن يحدث كل ذلك في بيروت… لأنها مدينة الحريات والشرائع.
"النهار"




















