منذ سقوط المنظومة الاشتراكية عامة والاتحاد السوفييتي على الخصوص برزت الولايات المتحدة كقطب وحيد في العالم الجديد، وأخذ المحللون يرون أن هذا القطب سيبقى أوحد خلال سنوات طويلة مقبلة، خاصة أنه الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، وتجوب أساطيله وجيوشه البحار والقارات، وقادر على تغيير النظم السياسية والاقتصادية، وإسقاط الحكومات بل والأنظمة السياسية في أي مكان، وبالتالي هو القطب الأقوى والأقدر والمهيمن أو الذي سيهيمن.
وقد سرّعت السياسة الأميركية توسع العولمة والنظام العالمي الجديد، الذي يعتمد اقتصاد السوق، وفتح الحدود، وإلغاء الهويات وتبني ليبرالية جديدة بدون ضوابط ولا حدود ولا قيم، وما ان حصلت تفجيرات 2001 حتى قوي عود المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، وطرحوا وجهات نظر جديدة للعالم كله، وبالنسبة للبلاد العربية أتحفوها بنظرية الشرق الأوسط الجديد، التي تعتمد (الليبرالية والديمقراطية وتتجاوز الحدود القومية والخصوصيات ومعطيات التاريخ) واستطراداً الصراع العربي الإسرائيلي، تحت شعار بناء الديمقراطية والنظام الجديد.
ولتحقيق هذه الأهداف احتلت الجيوش الأميركية أفغانستان ثم العراق وهددت كل من يحاول أن يحتج، وأخافت العالم كله شعوباً وفئات سياسية وأفراداً. وأخذ المحللون يأملون أن يقوى سريعاً القطب الثاني الأوروبي، والقطب الثالث الصيني، ليتحقق شيء من التوازن في العالم المعاصر، ولتخفف السياسة الأميركية (مضطرة) غلواءها.
أمام هذه الظروف والشروط الموضوعية أيد بعض السياسيين والمثقفين والمناضلين العرب (يساريين ويمينيين وشيوعيين سابقين) الشعارات الأميركية وعلى رأسها شعار إقامة الديمقراطية في البلدان العربية، ومضايقة بل ومحاصرة بعض الأنظمة المستبدة والفاسدة في المنطقة.
وأخذوا يبررون تصديقهم المزاعم الأميركية بأن هذه الشعارات هي في مصلحة السياسة الأميركية أيضاً، وبالتالي ومهما كانت ملاحظاتهم على ماضي هذه السياسة وممارساتها، فإن من مصلحتها الآن عمل ذلك، وعليه فإن مصالح الأميركيين ومصالح الشعوب في المنطقة تلتقي معاً وتتوحد، وفي ضوء هذا أيدوا سياسة المحافظين الجدد، واخترعوا لأنفسهم اسماً جديداً هو الليبراليون العرب الجدد، ونسوا أو تناسوا جوهر السياسة الامبريالية ومكوناتها ومفاهيمها التي تعتمد أساساً على المصالح (البراغماتية) وأن مفاهيمهم عن الديمقراطية والمساواة والحرية وحقوق الإنسان هي غير مفاهيمها حيث تؤكد على الدوام فصل الأخلاق عن السياسة، لأن السياسة مصالح وليست مبادئ أخلاقية، وقرروا ـ على أية حال ـ ضرورة التعاون مع السياسة الأميركية، أو السكوت عن ممارساتها، وانتظروا منها أن تحقق ما وعدت به ومازالوا ينتظرون.
وقع الليبراليون العرب الجدد في فخ السياسة الأميركية ووعودها، وأطلقوا الشعارات وناقضوا تاريخهم، وأنسنوا الشيطان الأميركي، وقالوا بعالم جديد وأفكار جديدة ونظام عالمي جديد، وبموت الأيديولوجيا والاستراتيجيات والتاريخ الوطني، وقبلوا القطع مع التراث، والتخلي عن بعض الشعارات التاريخية، كشعار الوحدة، وتغيير بنية الصراع مع إسرائيل.
لكنهم وما لبثوا أن أدركوا أن الوعود الأميركية هي مجرد أوهام، أو على الأقل، أن المفاهيم الأميركية عن هذه الوعود مختلفة عن مفاهيمهم، وبذلك خسروا شعبهم وتاريخهم النضالي ولم يكسبوا نصيراً لأفكارهم، وسرعان ما تخلت عنهم السياسة الأميركية، باستثناء من قبل منهم الخضوع لشروطها المالية والسياسية والفكرية وغيرها.
صدَّق بعض مناضلي العراق الوعود الأميركية، فشكلوا تنظيمات الصحوة، التي لولاها لما استقر جزئياً الوجود العسكري في العراق، وبذل منتسبو الصحوة دماءهم وانشقوا عن مناخهم السياسي والثقافي أملاً بأن السياسة الأميركية ستحقق وعودها وتحميهم وتدعمهم وتدخلهم في جهاز الدولة.
وما أن انهوا مهمتهم حتى تحولوا إلى عاطلين عن العمل، فلا الحكومة العراقية أدخلتهم في جهاز الدولة ولا الأميركيين قدموا لهم الحماية الموعودة، ولم تقم في مناطقهم مشاريع تنموية تتولى تشغيلهم وتكفل لهم سبل العيش الكريم وهاهم الآن (لا مع اللحم ولا مع العظم) ينتظرون مصيراً لا يسر أحداً.
وراهنت بعض القوى السياسية اللبنانية على السياسة الأميركية، وذهبت بعيداً في تأييدها وفي معاداة غيرها، واكتشفت أن الغرب الأميركي والأوروبي غير موجود عند الحاجة، وأنه من العبث انتظار مساعدته، ولم تسمع هذه القوى حتى كلمة احتجاج واحدة على ماجرى في بيروت وبعض ضواحيها يوم (7 مايو)، وأدركت أن رهانها على الغرب في غير محله، فانقلب منها من انقلب، وغَير من غَير، وهادن من هادن، ولكن الجميع مقتنعون الآن أن رهانهم كان في غير محله.
راهن آخرون في بلاد عربية أخرى على الغرب الأميركي والأوروبي، وانتظروا منه أن ينصرهم في نضالهم في سبيل تحقيق الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة وفصل السلطات في بلدانها، ولكنهم اكتشفوا أن اللغو الغربي حول هذه المفاهيم هو مجرد لغو، وان الغرب لا يمتلك أية جدية تجاه وعوده، وأنه ينادي بها كمصائد لشعوب المنطقة ومناضليها ومثقفيها، وسرعان ما يتراجع عنها إذا وجد أن مصلحة بلاده تقتضي ذلك،.
ولنا من السياسة الأميركية، وسياسة البلدان الأوروبية، وخاصة الفرنسية والبريطانية في المنطقة خير مثال، وجميعها تؤكد أن السياسة الغربية إنما تسعى للهيمنة أو لتحقيق مصالحها ـ الاقتصادية خاصة ـ وأن أولوياتها خالية من مصالح الشعوب العربية أو التيارات السياسة العربية غير الحاكمة. ولديها ألف مبرر ومبرر لممارساتها غير الأخلاقية، التي تحاول أن تخدع بها الجميع، وقبل ذلك تخدع شعوبها.
لاشك بإخلاص وجدية معظم السياسيين والمناضلين والمثقفين العرب الذين راهنوا على (المخلص الأميركي أو الغربي)، ولكن المشكلة في تهافت التحليل لديهم، وسرعة السقوط في حبائل الامبريالية واحتكاراتها، واستطراداً سقوطهم أمام أنصارهم وشعبهم وشركائهم في النضال، وخسارة بلدانهم نخباً كان يمكن أن تساهم في بلورة الموقف السياسي الحالي والمقبل، وأن تبقى ـ كما كانت ـ قوة جدية صلبة مناضلة في سبيل مستقبل أفضل.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org
"البيان"




















