يكاد شعار "من دون شروط مسبقة" يلخص مقاربة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لمبدأ المفاوضات.
في البداية كان الشعار مستمدا من الظروف التي رافقت المفاوضات السورية – الاسرائيلية على امتداد تاريخها والتي دارت، من دون مبالغة، حول ما سمي "وديعة رابين" ، اي الانسحاب الكامل من الجولان مقابل السلام الكامل بين سوريا واسرائيل.
مذذاك وسوريا ترفض المشاركة في مفاوضات مباشرة لا تقر فيها اسرائيل الاقرار بمبدأ العودة الى حدود الرابع من حزيران 1967، فيما يتخذ الرفض الاسرائيلي لهذا المبدأ صيغة مفاوضات "من دون شروط مسبقة".
ويكون مفهوما عادة من الطلب السوري استئناف المفاوضات من حيث توقفت والرد الاسرائيلي برفض "الشروط المسبقة"، ان المسار السوري غير ناضج للمتابعة لأسباب تعود اولا الى ان الوضع الاسرائيلي لم يعد يشبه تسعينات اسحق رابين، وهي ذروة مفهوم "الارض مقابل السلام" كأساس للمفاوضات.
اليوم يعمم نتنياهو هذا الموقف ليشمل المسار الفلسطيني. فلا هو مستعد للالتزام باطار يتم على اساسه الانتقال من التفاوض غير المباشر الى المباشر، ولا هو مستعد ان يتولى طرف ثالث القيام بهذه المهمة لاقناع الفلسطينيين بذلك.
ما يسميه نتنياهو شروطا مسبقة هو: وقف الاستيطان اثناء المفاوضات، تحديد مهلة سنتين للانتهاء منها، حدود 1967 كمرجعية لحدود الدولة الفلسطينية المقبلة.
ومع ان هذه المبادئ لا تلزم نتنياهو بما يفرض عليه حلولا لا تنسجم مع المعلن من رؤيته لحل الدولتين، الا انه على ترك مصير المفاوضات للمفاوضات نفسها.
اما لماذا اصبح ضروريا الانتقال من التفاوض بالواسطة، الاميركية، الى المفاوضات المباشرة، فسؤال لا يبدو نتنياهو معنيا به. فمقياس هذا الانتقال بالنسبة اليه هو تحول الادارة الاميركية من مرحلة الضغط على رئيس الحكومة الاسرائيلية الى مرحلة الضغوط على رئيس السلطة الفلسطينية مع اعلان مبهم قوامه ان هذه الادارة باتت مقتنعة بأنه آن الاوان لجلوس الاطراف وجها لوجه.
عندما وجدت ادارة اوباما مخرج التفاوض بواسطة ميتشل كانت تعبر بذلك عن عجزها عن إلزام نتنياهو باعلان وقف شامل للاستيطان يشمل القدس الشرقية. ومراعاتها لاحراج محمود عباس في وجه معارضيه الفلسطينيين، الرافضين اصلا لمبدأ المفاوضات.
اما لماذا تغيرت الظروف اليوم بحيث بات ممكنا دعوة عباس الى تجاوز "شروطه المسبقة" فيبدو انه ينبغي البحث عنه خارج ما يمكن تسميته بتقدم المفاوضات التي لعب فيها ميتشل دور الوسيط.
فمع ان الادارة الاميركية الحالية كانت الاكثر وعدا من حيث قدرتها على رؤية القضية الفلسطينية في اطار شرق اوسطي اشمل، ومع انها اتت بعد ادارة وصفت بأنها الاقرب لاسرائيل، ومع ان باراك اوباما تبنى نظرية ان المدخل لعلاقة مختلفة بين اميركا والعالم الاسلامي لا بد وان تمر بايجاد حلّ للقضية الاعقد في العلاقات بينهما، اي القضية الفلسطينية، الا ان ممارسة العامين الماضيين لا تدل على ان هذه الادارة كانت عند المنتظر منها.
في كل المفاصل التي وضعت اوباما في مواجهة مباشرة مع نتنياهو كانت الحصيلة تدوير الزوايا من الجانب الاميركي. والتنازل الملموس الوحيد من جانب نتنياهو كان ذلك التجميد لمدة عشرة اشهر للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية، مع كل التغيرات التي رافقته واهمها القدس. اما "التنازل" الآخر فكان اعلان قبول نتنياهو مبدأ الدولتين، اي عمليا ما دون ما كان مقرا في عهد جورج بوش.
ليست قوة نتنياهو هي التي تفسر هذه المراوحة الفلسطينية – الاسرائيلية، فالكثير من اللوم يوضع اليوم في خانة طبيعة هذه الادارة. ومثلما هي اضعف، من زاوية النظر الاسرائيلية، عن التصدي للتمدد الايراني ومشروعه النووي، هي اضعف، من زاوية النظر الفلسطينية – العربية عن جعل اسرائيل تنسجم مع ما هو معلن من مصلحة استراتيجية اميركية، وما يقال كثيرا عن مصلحة اسرائيلية لا تجد في اسرائيل مدافعا عنها.
"النهار"




















