في كتابه "محمد والقرآن، دعوة النبي العربي ورسالته" يسلط رودي باريت Rudi Paret الضوء على حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) في مراحلها المختلفة انطلاقا من فصل تمهيديّ درس فيه "البيئة والمحيط"، محاولا رسم خارطة معرفية، إن صح التعبير، لشبه الجزيرة العربية قبيل ميلاد النبي، ابتداء بأديانها المختلفة تحت عناوين: "المستوطنات اليهودية"، "التبشير المسيحي"، "الآلهة العربية القديمة"، ومرورا بأشكال العبادة المنتشرة فيها، وليس انتهاء بـ"عوالم الجن والسحر"!! وثنائيات "البدو والحضر" و"السادة والأتباع"… إلخ.
وفي الجزء الأول من الكتاب يؤكد باريت الطبيعة المنعزلة لشبه الجزيرة العربية قبل القرن السابع الميلادي "لفهم طبيعة الناحية التي أعلن منها النبي محمد دعوته.. وأنها كانت واقعة في زاوية ميتة من العالم". وتبعا لذلك، ظل تبادل الأفكار والتوجهات الروحيّة تعاني معاناة شديدة من ذاك الافتقار إلى التواصل مع الخارج. ومن ثم، بقيت الأحداث الثقافية والسياسية والدينية تمر من حولها دون أن تتخللها.
ونتيجة لذلك أيضا؛ بلغت المجموعات الدينية السياسية اليهوديّة ذروة نشاطها وفعاليتها التاريخية في فلسطين، لكنها بقيت بمنأىً عن تلك السهوب والصحارى إلى حد كبير، حيث تتحدث المصادر العربية المبكرة عن وجود اليهود بواحات مختلفة في شمال غرب الجزيرة العربية، بخاصة في كل من تيماء وفَدَك وخيبر ووادي القرى ويثرب التي كان اليهود يشكلون نصف عدد سكانها.
وفي كل الأحوال؛ فإنَّ أفكارا واعتقاداتٍ يهودية قد فاضت – بحسب المؤلف- على المحيط العربيّ العام من حولهم، وأدّت فيما أدّت إلى تحريك تلك التقاليد الوثنية المحلية الجامدة. لكن لم يذكر المؤلف صراحة بأي اتجاه، وإنما نراه يمضي في مقاربته المغلوطة هذه ليصل إلى نتيجة مفادها أنّ فيما سبق يكمن السر في قبول أهل يثرب لدعوة النبي محمد بعد أن قابلت دعوته بمكة آذانا صمّاء!! وتلك مغالطة تاريخية على درجة كبيرة من الخطأ، ولو كانت صحيحة لكان أولى بيهود المدينة أن ينضووا تحت لواء الدعوة الجديدة؛ خاصة أنهم كانوا ينتظرون بالفعل مولد نبي جديد.
أيضا كان من الممكن لهذه المقاربة أن تكون على درجة كبيرة من الصحة لو أنها تمت في سياق عقد مقارنة بين مكة كنموذج صارخ لحياة البادية، والمدينة كنموذج معاكس لها تماما يعبر أفضل تعبير عن حياة الحاضرة. لكن أما وقد كانت مكة من أشهر تجمعات الحضر في شبه الجزيرة العربية مطلع القرن السابع الميلادي،ّ حيث تنطلق منها رحلات التجارة شمالا في الصيف وجنوبا في الشتاء، فضلا عن مركزيتها الدينية، فلا مجال للحديث عن مقاربة كتلك بحال من الأحوال.
وفي السياق ذاته يؤكد المؤلف أيضا أنّ المسيحيين العرب ما استطاعوا التأثير بواسطة التبشير المباشر فقط؛ وإنما من خلال اكتسابهم "سمعة حسنة" في محيطهم. لكنه بعد أن يورد من الآيات القرآنية ما تدل على وصفهم بالرأفة والرحمة والرهبانية سرعان ما يصل إلى نتيجة مغلوطة أيضا، جاء فيها: "ولا بد أنهم تركوا تأثيرا أيضا من خلال طقوسهم وحركاتهم في صلواتهم من ركوع وسجود وتلاوة للإنجيل. ففي طقوس المسلمين للصلاة، كما بدأها النبي محمد، نجد معالمَ للنموذج المسيحي العربي، واليهودي العربي أيضا"!
بل لا يجد المؤلف أدنى غضاضة في تصديق أسطورة الغرانيق التي تجاوزها المستشرقون منذ زمن بعيد. كما نراه يُتبع حديثه الخاص بأنماط العبادة عن عوالم "الجن والسحر"، مبررا ذلك بقوله: "تبدو تشابكات الشعائر والرسوم وكثرتها في طقوس الحج مثيرة للحيرة والبلبلة. ولذا فقد كان ضروريا لتوضيح الصورة التوسُّع بعض الشيء لإدخال شيء من التفصيل على تلك العوالم المختلطة".
في الفصلين التاليين المعنونين بـ "محمد: حقبة الحياة الأولى"، و "تجربة الرسالة والدعوة" ينقب المؤلف عن حياة النبي في حقبة ما قبل الدعوة وبداياتها الأولى. ينتظم الفصلان تحت عناوين فرعية ابتداء بـ "التواريخ الرئيسية: عمر النبي زمن البعثة" و"المراحل التمهيدية للبعثة والرسالة" ومرورا بـ "إشعاعات المسيحيات واليهوديات" و"تفرد تجربة الرسالة" وانتهاءا بـ "الوحي الأول" و"النثر المسجوع والكهانة"!!
وفي الواقع، لا يزال نبي الإسلام محط أنظار العديد من الباحثين الغربيين والمستشرقين المعاصرين، حيث تتوالى الكتب تباعا عن حياته ودعوته بكل لغات العالم تقريبا. ومع إقرارنا المبدئيّ بالتحسن التدريجي الملحوظ الذي طال أغلب المؤلفات المعاصِرة التي تتناول دين الإسلام بعامّة ونبيه الكريم بخاصة؛ إلا أن ثمة هنات لا تُغتفر تبدو هنا وهناك، ممّا يؤكد صعوبة التحلل من إرث الاستشراق القديم.
ففي محصلة قراءته لشخصية النبي ومسارات دعوته كما هي واردة في القرآن يخلص المؤلف إلى القول بأن نزعة التدين لدى النبي هي بمثابة المفتاح السحري لفهم شخصيته. إلا أنه عاد ليؤكد ثانية "بيد أن شخصية فريدة ومحكومة بظروف بيئتها في الظهور التاريخي، لا يمكن أن تُدرك إدراكا كاملا. وسيبقى هناك دائما جزءٌ غامض يثير الحيرة".
ومن ثم، يتابع المؤلف رصد كافة المناطق التي اتخذت ذريعة للنيل من شخصية النبي وعلى رأسها: "صدقية النبي"، و"الحرب بوصفها وسيلة لبلوغ الأهداف"، و"الاغتيالات السياسية"، و"محمد والنساء"، و"النبي والثيوقراطية". وبعد استعراض كاف لهذه المسائل يخلص باريت إلى ما يلي: يأخذ المؤلف على شخص النبي، عليه الصلاة والسلام، ثلاثة أمور:
أولها: أنه عمد إلى اغتيال خصومه السياسيين من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأسير بن رزام، ثانيها: طردِه اليهود من المدينة، ثالثها: زواجه من زينب بنت جحش زوجة متبناه زيد بن حارثة.
وفيما يبرر المؤلف الأمرين الأولين بحكم النزاع الحادث بين الطرفين؛ المسلمين واليهود، يقرر أنه ليس من السهولة بمكان فهم زواجه من زينب، رافضا القبول بالمسوغ الذي ورد في آخر الآية الكريمة: "لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا"، ورافضا كذلك سائر الحجج التي أوردها مونتغمري وات من قبل لتأويل هذا الأمر.
وعلى رغم أن المؤلف لم يشكك بتاتا في صدق دعوى النبي واستقلاليته، فإن ذلك لا يمنع من القول بأننا لا نزال بحاجة ماسةٍ إلى تجاوز إرث الاستشراق كليّة انطلاقا من يقيننا الخاص بأننا أولى بتراثنا من غيرنا.. ذاك أمل يبدو لي بعيدا في الوقت الراهن لكنه قادم لا محالة.
()أكاديمي وباحث مصري
"النهار"




















