ليس من المبالغة في شيء القول إن منطقة الخليج بوجه خاص والمنطقة العربية بوجه عام تمر بظروف وتطورات تتسم بقدر كبير من الدقة، والاحتمالات المفتوحة في اتجاهات متعددة، وربما متعارضة أيضا. ففي الوقت الذي بدأت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشغيل مفاعل بوشهر النووي لتوليد الطاقة الكهربائية، ومن ثم أصبح المفاعل منذ الحادي والعشرين من الشهر الجاري منشأة نووية يمثل المساس بها من جانب أي طرف خطرا وخطورة كبيرة تمتد إلى نطاقات واسعة.
وتتعارض في الوقت ذاته مع القوانين الشرعية الدولية، خاصة في ظل خضوع عمليات مفاعل بوشهر النووي لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ناحية، وتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها أنه لا مخاطر من تشغيل المفاعل من ناحية ثانية، وعلى ذلك فإن خطرا كبيرا محتملا تراجع في الواقع، أو من المنطقي أن يتراجع إلى حد التلاشي وهو احتمال ضرب إسرائيل للمفاعل النووي في بوشهر، أو حتى ضرب منشآت نووية إيرانية أخرى غيره.
من جانب آخر فإن التحذيرات التي صدرت عن طهران والقيادة الإيرانية في الأيام الأخيرة التي أوضحت طبيعة الرد الإيراني على من يستهدف منشآتها النووية من ناحية، والأسلحة الجديدة التي كشفت وتكشف عنها الجمهورية الإسلامية، بريا وبحريا وجويا من ناحية ثانية تشير إلى خطورة تعريض السلام والاستقرار في الخليج لأي خطر من أي نوع ولأي سبب، نظرا لأن حدوث ذلك لا قدر الله يمكن أن يؤدي إلى نتائج بعيدة أو غير واردة في حسابات هذا الطرف أو ذاك.
على أية حال فإن ما تمثله الحاجة إلى ترسيخ سبل السلام والاستقرار في الخليج والمنطقة العربية بوجه عام بالنسبة لكل دول وشعوب المنطقة تفرض في الواقع ضرورة العمل الجاد والمخلص من جانب كل الأطراف المعنية وذات المصلحة في سلام واستقرار المنطقة من أجل إفساح الطريق والسير نحو تحقيق هذا الهدف بكل الوسائل الممكنة.
وإذا كان تدشين مفاعل بوشهر النووي يشكل خطوة هامة بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعزز أيضا من العلاقات الروسية الإيرانية، فإن ما أعلنته طهران مؤخرا من استعداد للتفاوض مع مجموعة فيينا حول مبادلة اليورانيوم، وما أشارت إليه واشنطن من انفتاح على إمكانية التفاوض أيضا، وما قدمته من تطمينات لإسرائيل حول الأنشطة النووية الإيرانية، والمدى الزمني التقديري من وجهة نظرها لتبلور مخاطر عسكرية من وجهة نظرها من جانب آخر، من شأنه أن يهيئ المناخ بشكل أكبر للدفع نحو البحث الجاد عن سبل تعزز السلام والاستقرار وتبعد شبح التفكير في العدوان أو التعرض لأي دولة من دول المنطقة، على أي نحو، وبأية وسائل مباشرة أو غير مباشرة لهز استقرارها او إثارة المشكلات لها.
وفي ظل الحاجة الماسة لشعوب المنطقة جميعها، ودون استثناء أيضا، لأن تعيش في أمن وأمان، وبعيدا عن أية تهديدات، فإنه من المأمول أن تبذل كل الاطراف المعنية باستقرار وسلام هذه المنطقة الحيوية مزيدا من الجهد المخلص والبناء من أجل إرساء قدر أكبر من الثقة المتبادلة، التي لا غنى عنها لتجاوز الشكوك وللتهيئة لمزيد من التقارب والتعاون البناء لصالحها جميعها في الحاضر والمستقبل.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان قد تم الإعلان عن موعد بدء المحادثات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل من أجل العمل للتوصل إلى تسوية واتفاق بشأن موضوعات الحل النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والانتهاء من المفاوضات خلال عام تقريبا، فإن ذلك يمكن أن يشكل أحد القنوات أو السبل المهمة التي يمكن في حالة نجاحها أن تفتح الطريق بشكل أكبر أمام استقرار المنطقة ودعم سبل السلام فيها نظرا لترابط الأمن والسلام والاستقرار في كل أجزائها. ويظل السؤال هو هل سيحدث ذلك؟ دعنا نأمل.
عمان




















