بعد أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس الأول انتهاء ما أسماها "المهمة القتالية الأميركية في العراق"، ها هو نائبه جو بايدن يبشر الشعب العراقي بمستقبل وبفجر جديد، وكأن العراق أريد له أن ينتقل حاله من مصطلح يظل يتعايش معه بآلامه وأحزانه ويكابد أحداثه المؤسفة إلى مصطلح جديد يبيت ليالي وأيامًا لسنوات طوال يصارع أحداثها ويتأقلم مع مرها، وهذان المصطلحان هما "حرية العراق" و"الفجر الجديد" وهما من المصطلحات الفضفاضة الرنانة التي يبدو أنها اختيرت بعناية فائقة.
بحيث إن كل من يسمعها تعن له تلك الصورة الحالمة المليئة برغد العيش والحياة الكريمة والأمن والاستقرار، وحرية التعبير والديمقراطية، وصون الدماء وصيانة منازل المواطنين الآمنين الهاجعين من أي مداهمات، وغياب الطائفية والمذهبية وعمليات القتل على الهوية، ووفرة فرص العمل وإعادة الإعمار، والتنعم بالماء النظيف والكهرباء والدواء، والتنعم بالتوزيع العادل للثروات التي تطفو عليها أرض بلاد الرافدين.
اللافت للنظر أن بايدن عبر "فجره الجديد" أراد أن يعطي صورة مغايرة تمامًا عن تلك التي صنعتها "حرية" جورج بوش الصغير، وما هي في الحقيقة إلا صورة مصطنعة مع شيء من مساحيق التجميل من قبيل "فجر، وجديد، وأن الأيام السوداء باتت وراءنا، نريد أن نفي بوعدنا وخلال عام سوف نسحب جميع القوات الأميركية، الأمر مختلف وسنطوي الصفحة، والقوات الباقية يمكن أن تتفاعل من خلال العمليات، ويمكن أن تضطلع بدور مدني، وكذلك مكافحة الإرهاب إذا تطلب الأمر".
ومرجع هذه الصورة المصطنعة أن الكلام شيء وما يقوله الواقع شيء آخر، فقد مضى على العراق الآن ما يزيد على سبع سنوات منذ الغزو الأنجلو ـ أميركي في عام 2003، ولم يتغير شيء يذكر ويدلل على مصداقية ما تم ترديده من شعارات، بل إن هذه الشعارات إنما هي شعارات خاوية من أي معانٍ حقيقية وأي أجندة عملية أو برامج تصحيحية للوضع السياسي والاقتصادي والأمني، بل إن ما يشهده العراق ـ في عهد أوباما ـ هو استمرار ونسخ للأحداث ـ في عهد بوش ـ.
وليس أدل على ذلك من الشلل السياسي والعطب الذي أصاب كل مفاصل الحياة داخل العراق، نتيجة التكالب غير المسبوق الذي تبديه الكتل السياسية لأخذ نصيبها من الكعكة، ما مثل انعكاسًا مباشرًا لحقيقة الكذب الذي غلف الأهداف الحقيقية الكامنة وراء الغزو، والمتمثلة في نهب ثروات العراق وسلخ العراق عن محيطه العربي وتشطيره إلى دويلات متنازعة (شمالًا ووسطًا وجنوبًا)، وكذلك فضحًا وإظهارًا لحجم التناقض وعدم المصداقية في تلك الأوصاف التي أطلقها أولئك الذين جاؤوا على متون الدبابات الأميركية وحاملات الجيوش الغازية بأنها "قوات تحرير".
وقد وضح هذا التناقض اليوم من خلال احتفالهم بانسحاب جزء كبير من القوات المقاتلة للاحتلال الأميركي، ما يعني أنهم يقرون بأنها قوات "احتلال" وليست قوات "تحرير"، ويتأكد هذا الأمر بشكل أكبر ولا يقبل الشك من خلال غلبة الطائفية المتمثلة في تلك التجاذبات والتشاحنات والتنازع حول من هو أحق بتشكيل الحكومة.
إن الشعب العراقي والعالم أجمع يريد أن يقتنع بأنكم يا قادة الكتل السياسية إذا لم تكونوا أدوات للاحتلال منذ بدايته وإلى الآن وبأنكم لستم جزءًا من المشكلة وبقاء الاحتلال جاثمًا على صدر كل عراقي، فلماذا هذا التعطيل لتشكيل الحكومة والذي الآن هو في شهره السادس؟
لقد سئم العراقيون من سياسة التلاعب بالمصطلحات التي تحتوي على التناقضات الفجة، فهم يريدون "حرية" و"فجرًا جديدًا" بمعانيهما الحقة ومضامينهما الحقيقية، لا شعارات ومصطلحات تستر السراق والطائفيين، وعشرات الآلاف من القوات الأميركية والمرتزقة.
الوطن




















