لم تكن ايران «حاضرة» يوماً الى طاولة مفاوضات الشرق الاوسط مثلما هي حاضرة اليوم. فعلى رغم غياب طهران عن تلك الطاولة، كان احمدي نجاد وحلفاؤه على الحدود الاسرائيلية، شمالها وجنوبها، جالسين هناك في مواجهة محمود عباس وبنيامين نتانياهو وهيلاري كلينتون وجورج ميتشل، ذلك المفاوض المنكوب بهذه الوظيفة، والذي لم يكن يستحق نهاية كهذه لحياته الدبلوماسية الحافلة.
واوراق طهران الى تلك الطاولة كثيرة. فبقدر ما يفتقر المتفاوضون الثلاثة، الاميركي والفلسطيني والاسرائيلي الى اوراق الحل، تملك هي اوراق التعطيل: شروط الفريق الاسرائيلي التي أعلنها نتانياهو، حتى قبل بدء جولة التفاوض، وعجز الفريق الاميركي الذي أكدته هيلاري كلينتون باعلانها ان ادارتها لن تفرض حلاً على أحد، وتفكّك الفريق الفلسطيني الذاهب الى واشنطن رغماً عنه، كل هذه، الى جانب الصواريخ وعمليات التفجير، هي اوراق التعطيل التي تملكها طهران ولا يملك المتفاوضون رداً عليها سوى تأكيد نوايا غامضة في تحقيق السلام، نوايا لم تفلح في نشر أي سلام على مدى عقدين من الزمن، اي منذ بدأ تجريب هذه الوصفة السحرية لحل النزاع المديد في منطقة الشرق الاوسط.
وهكذا وبمعنى ما، تبدو المفاوضات التي تعيد ادارة اوباما احياءها، وكأنها جولة اخرى من جولات المواجهة بينها وبين النظام الايراني. ففي هذا الصراع بين الديبلوماسية التي ترعاها واشنطن والمواجهة المسلحة المستمرة ضد اسرائيل، التي دعا اليها احمدي نجاد كرد على المفاوضات، تشعر طهران ان اي تقدم ديبلوماسي ترعاه الولايات المتحدة من شأنه ان يلحق الهزيمة بمشروعها في المنطقة، وان يشكل ضربة قاضية لامكانات تمددها، سواء على الجبهة الفلسطينية، او على جبهتي سورية ولبنان. وهو ما دفع القادة الايرانيين الى رفع اصواتهم عالية في «يوم القدس»، مرددين، بلغة مشتركة مع قادة «حماس» و»حزب الله»، ان المفاوضات «ولدت ميتة» وان المشاركين فيها من الفلسطينيين لا يمثلون شعبهم ولا تلزم قراراتهم احداً.
ولأن طهران تملك سلاح القدرة على التعطيل، فانها عملياً لا تخسر شيئاً في هذه المفاوضات. اذا فشلت المفاوضات، كما هو متوقع، تكون طهران رابحة. واذا نجحت المفاوضات في تحقيق شيء، وهو رهان بعيد الاحتمال، تكون عدّة طهران للقضاء على ذلك النجاح جاهزة من خلال اتهام المفاوض الفلسطيني بالخيانة و»بيع القضية». ذلك ان اي «نجاح» لهذه المفاوضات، مهما كان متقدماً في تحقيق الرغبات الفلسطينية، لن يؤدي الى «القضاء على اسرائيل»، مثلما يشتهي القادة الايرانيون، وسيكون بالتالي «حلاً انهزامياً» في نظرهم.
من هنا يمكن القول ان المفاوض الفلسطيني سوف يكون الخاسر الوحيد في هذه المفاوضات، اياً كانت نتيجتها. اذ ما هي قدراته على تحصيل حد معقول من حقوقه العادلة، وهو يقف في الوسط بين المشروعين المتطرفين لكل من اسرائيل وايران، ولا يملك غير الاعتماد على السند الاميركي، وهو السند الذي اثبت في اكثر من فرصة عجزه عن تحقيق اي حل يتفق مع الشرعية الدولية؟
اذا حصل هذا، مثلما يتخوف كثيرون، يعود نتانياهو الى تل ابيب لاستكمال بناء مستوطناته وتهويد «عاصمته الابدية»، ويعود اوباما الى الكونغرس لاستثمار المصالحة مع اسرائيل وتحقيق النجاح الذي يسعى اليه في الانتخابات النصفية، ويعود ابو مازن الى رام الله، لحصاد ثمار صراع قاس مع «الاخوة» في غزة، صراع تكون ادارة اوباما قد جرّته اليه رغماً عنه، من دون أن توفر له اي طوق للنجاة.
عسى ان يكون هذا التخوف في غير محله!
"الحياة"




















