ما هي المواطنية، وما هي أنواعها ومتطلباتها؟ وما هي العلاقة بين المواطنية والتنمية، وخصوصاً ما سمي التنمية الشاملة؟
في مفهوم المواطنية هناك ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو المواطنية المدنية التي تعطي كل مواطن الحق في الحريات الأساسية: حرية التعبير، المساواة أمام القضاء، حق الملكية، وغير ذلك…
والمستوى الثاني هو المواطنية السياسية المبنية على المشاركة السياسية: حق الاقتراع، حق الانتخاب، حق ممارسة الوظائف العامة، وغير ذلك…
أما المستوى الثالث فهو المواطنية الاجتماعية التي تضمن للمواطن حقوقاً اجتماعية/اقتصادية: الصحة، الضمان الاجتماعي، العمل، وغير ذلك…
الى هذه المستويات من المواطنية، لا بد من ابداء بعض التوضيحات. فمن جهة أولى، المواطنية لا تقتصر على أن يكون للمواطن فقط حقوق قانونية وسياسية ومدنية، بل تعني أيضاً مشاركة المواطن في بناء المجتمع (الانتماء الى الجمعيات الأهلية، النقابات، الأحزاب) كما تعني اعتناق بعض القيم الاجتماعية (احترام الآخر، أي السلوك المتمدن، واحترام الأملاك العامة والخاصة، والحفاظ على البيئة..).
ومن جهة ثانية، المواطنية تشير الى هوية وطنية مشتركة، أهم عناصرها: التاريخ المشترك، والثقافة المشتركة. ومن جهة ثالثة المواطنية ليست فقط معطى ثابتاً ونهائياً (المواطنية الحقوقية)، بل هي أيضاً مشروع يومي في طور بناء مستمر.
الى كل ما سبق، ماذا يمكن أن نقول عن المواطنية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب؟
التعددية الطائفية والمذهبية والثقافية والسياسية ليست، بحد ذاتها، عائقاً لتحقيق الوحدة الوطنية، لا بل قد تكون غنىً وثراءً. إلا أن النظام الطائفي ، قد يكون هو العائق في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية والمواطنية، لأن النظام الطائفي (كما في النموذج اللبناني): يتعارض، من جهة، مع قيمة المساواة ما بين جميع المواطنين. ويجعل، من جهة ثانية، أولوية الولاء في الانتماء للطائفة وعلى حساب الوطن، وهذا ما دلت عليه جميع استقصاءات الرأي العام التي قمنا بها وضمّناها أبحاثنا في هذا الموضوع. كما أنه من جهة ثالثة، يتعارض مع حرية المعتقد (حرية اختيار الدين، أو تغييره، أو خيار اللادين)، علماً ان حرية المعتقد تكفلها شرعة حقوق الانسان كما تكفلها الأديان السماوية. ورابعاً، يضخّم الانتماء السوسيولوجي للدين على حساب الانتماء الايماني.
أما مفهوم التنمية، ولا سيما الشاملة، فيمكن تحديدها على أنها عملية تحول تاريخي متعدد الأبعاد، يمس الهياكل الاقتصادية والاجتماعية، كما يتناول الثقافة الوطنية. وهو مدفوع بقوى داخلية وليس مجرد استجابة لرغبات قوى خارجية.
كان مفهوم التنمية في الماضي يقتصر على العملية الاقتصادية المادية وعلى التطور التكنولوجي وتطوير الوسائل المعيشية وتوفير ما يسد حاجات الانسان المادية الأساسية. وهذا المفهوم يقتصر، في نظرته الى التنمية، على بعد واحد من أبعاد حاجات الانسان.
المرحلة الثانية من تطور هذا المفهوم هي المرحلة التي أضيف فيها الى مفهوم التنمية مفهوم الشمول، فأصبح هناك ما يعرف بالتنمية الشاملة. أي العملية التي تشمل جميع أبعاد حياة الانسان والمجتمع وتغطي مختلف المجالات والتخصصات، وتتقاطع مع مجمل العلوم الاجتماعية.
ظل مفهوم التنمية ـ حتى وإن أضيف اليه وصف "الشاملة" ـ ينطلق من تقسيم العالم الى "مركز" و"هامش" والى متقدم ومتخلف، والى تابع ومتبوع، والى منتج للتكنولوجيا والأفكار ومستهلك لها. هنا ظهر مفهوم التنمية المستقلة في محاولة لفك الارتباط مع الخارج، وللتأكيد على الأبعاد الذاتية والخصوصية للتنمية.
أخيراً، برز مفهوم آخر للتنمية، وهو مفهوم التنمية المستدامة. ويعني هذا المفهوم اضافة بعد التاريخ والزمن (أي عدم تقديم الآني والعاجل على ما عداه لتحقيق أكبر منفعة ممكنة بالمعيار الاقتصادي المادي). واضافة مفاهيم العدل في الانتاج والتوازن في الاستهلاك والبعد الأخلاقي. ومع تطور مفاهيم التنمية أصبحت هذه الأخيرة أكثر شمولاً وتعقيداً، وأكثر استجابة لخير الانسان، كل انسان، وكل الانسان.
أما عن جدلية مفهومي المواطنية والتنمية فيمكن القول بأن الأمم المتحدة كانت فيما مضى تتحدث عن حقوق الانسان (وقد يكون ضمان هذه الحقوق هو المعادلة الأصح لبناء المواطنية الكاملة)، والتنمية، والديمقراطية، كل على حدة. ابتداء من التسعينات من القرن العشرين، أخذت الأمم المتحدة تقيم الربط بين هذه المفاهيم والعمليات الثلاث. فمن حيث المبدأ، كلما ارتقت الدول والجماعة الدولية على سلم التنمية البشرية، والتحول الديمقراطي، زاد معدل احترامها لحقوق الانسان. وهكذا، يمكن القول ختاماً: ان "التخلف الشامل" لا يمكن أن يبني المواطن الصالح المتكامل. وحدها "التنمية الشاملة"، في جميع أبعادها، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بجميع مستوياتها: المدنية والسياسية والاجتماعية.
"المستقبل"




















