خُيِّل إليّ وأنا أقرأ المقابلة ذات الحلقتين، والتي أجراها الأستاذ غسان شربل رئيس تحرير جريدة «الحياة» مع الدكتور محمد البرادعي، مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية، أننا خارجون من هزيمة تشبه هزيمة العام 1967، وأن المطلوب وعي جديد، وبالتالي سياسات جديدة. والواقع أن أحداث السنوات السبع التي أعقبت واقعة العام 2001 تفوق بكثير خسارات العام 1967. ففي العام 1967 اكتمل احتلال أراضي فلسطين التاريخية، وأضيفالى لذلك احتلال أراضٍ لدول عربية عدة. لكن ذلك الحدث أعقبته حرب العام 1973، وتصاعُد المقاومة الفلسطينية والعربية. أما بعد العام 2001 فقد احتُلت أفغانستان، وتورطت باكستان في مشكلات قد لا تستطيع الخروج منها. كما جرى احتلال العراق، وتغيير بنيته وموقعه ربما الى الأبد، فضلاً عن تغيُّر معطيات الصراع في فلسطين وعليها، وحلول الجيوش الأميركية في العالم العربي، في شكل ما عرفته منطقتنا من قبل حتى إبان الحرب العالمية الثانية. وفي صراع العام 1967 ظلّ العدو الواقف في الواجهة هو إسرائيل، بينما في صراعات العام 2001 وما تلاه، فإن القوة الأعظم هي التي وقفت مباشرة في الواجهة، مستجلبة معها تحالفاً عالمياً، غيّر من طبيعة تلك المواجهة لتُصبح كما تنبأ هنتنغتون حرباً بين الحضارات، وليس بين جيوش الدول التي تُشارك أو شاركت فيها وحسب. ففي العام 1967 وما تلاه أردنا استعادة الأرض، أما في السنوات الأخيرة، فإن العنوان لدى الأميركيين كان مصارعة الإرهاب، وحروب الأفكار، وبناء الديموقراطية، في حين اندفعت من جانبنا التنظيمات الإسلامية المسلحة التي تتجاوز طموحاتها مسائل الأرض والتراب، الى العقائد والأديان والحضارات. ومن المدخل العقدي والحضاري دخلت أيضاً إيران الى غرب الفرات، واعتبرت الأطراف المشاركة العربية وغيرها أن الرهانات تتناول الرموز أكثر مما تتناول الأرض، فصار المقصود الإسلام بطرائق ما كانت في حساب أحد، ومن «القاعدة» الى «حماس» و «حزب الله» وإيران الإسلامية، الى جانب وفي مواجهة مقاربة بوش للمسائل من وجهة نظر «الحرب الصليبية». والمقصود بالحرب الصليبية لدى بوش ليس ذلك النزاع التاريخي بين المسلمين وفرسان الصليب في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، بل الحرب الطيبة والخيِّرة وأخيراً العادلة! وفي ظل حرب الرموز هذه سقط زهاء المليون عراقي، وتهجّر ثلاثة ملايين منهم، في حين انقسم الفلسطينيون ولا يزالون، وعلى الرموز أيضاً الى جانب الصراع العادل على «السلطة» تحت الاحتلال، إذا كان ذلك ممكناً. وقد ثبت أنه ممكن بدليل أن الواقعة قبل الأخيرة للصراع الفلسطيني – الفلسطيني، والفلسطيني – العربي كان حول الحج، وطرائق الذهاب إليه، ومن يستطيع وضع الشرعية الدينية والسياسية في خانة وسائل القوة المستخدمة وأدواتها.
لماذا أذكر هذا كلّه وفي هذه الأيام؟ أذكُرُه لأن التطورات الأخيرة تُعيد الى الصراع هويته الحقيقية باعتبارها صراعاً على الأرض وليس الدين، وعلى الدولة وليس على العقيدة. ولنتأمّل في هذا السياق حيث ظلت إسرائيل تجادل فيه الى ما قبل ستة أشهر أو ما يقاربها في شأن ضرورة اعتراف الفلسطينيين بالطابع اليهودي للدولة التي قامت على أرض فلسطين عام 1948. فالذي حدث خلال الشهور القليلة الماضية، والى بضعة أيام خَلَت أن «حماس» أنهت حال التهدئة مع إسرائيل، وانصرف بعض القادة الإسرائيليين الى الاعتراف بالمبادرة العربية للسلام، وأرسلت سورية شروطها للتفاوض النهائي، ومن ضمنها ترسيم الحدود تحت الاحتلال. وتقدم الأميركيون والروس فجأة بقرار الى مجلس الأمن في شأن التسوية في فلسطين. وفي الوقت نفسه أصرَّت «حماس» على عدم المصالحة مع «فتح» والسلطة، وظهّرت إيران خلافها مع مصر والسعودية. وجرى تنظيم تظاهرات في لبنان وغيره من أجل «فكّ» الحصار عن غزة، ومن ضمن التنظيم اتهام مصر بالمشاركة في المسؤولية عن الحصار وعن الاحتلال!
ولا ينبغي أن نُخطئ، فالصراع حتى في المرحلة «الرمزية» كان حقيقياً ولم يكن وهمياً. فقد تحركت خلاله جيوش، وجرت حروب، وسقط مئات الألوف، لكن الوعي كان وعياً عقائدياً، تحملت مسؤوليته الولايات المتحدة، وشاركتها في ذلك سائر الأطراف الأخرى، بما في ذلك الرئيس الروسي بوتين آنذاك الذي أصرّ على الغطس والعِمَاد في مياه نهر الأردن!
إن الذي يبدو الآن يشبه المشهد عشية حرب تموز (يوليو) عام 2006. فـ «حماس» تتحمّس لمواجهة إسرائيل، وإسرائيل إما أن تردّ كما ردّت بعد العام 2005 فتنشب حرب محدودة، أو تظل الحرب حرب خنادق وجبهات في الحقيقة كما في المجاز. بيد أن الحركة إذا كانت مغادرة «الرموز» قد حصلت، لن تأتي من جانب إسرائيل أو «حماس»، بل من جانب أولئك الذين اتخذوا القرار الدولي الجديد في شأن التسوية، ومن جانب العرب الذين فعّلوا المبادرة العربية للسلام، وغادروا الرئيس بوش، ورموزه وحروبه، وانصرفوا مع «المجتمع الدولي» الى وضع آليات تكتمل عند اجتماع الرباعية في موسكو في الربيع المقبل.
وليس هذا بالأمر القليل أو الجانبي إذا لاحظنا أن السنوات الماضية شهدت حصاراً للعرب من الولايات المتحدة، ومن التنظيمات الثورية الإسلامية، وتحت شعارات ورموز تحوّل المسائل الى ما يشبه «حرب النجوم» لدى الرئيس الراحل رونالد ريغان. ودخلت على المشهد كل من إيران لتتسلم ملف «الخيار العسكري»، وتركيا لتتسلّم ملف السلام بالوساطة بين سورية وإسرائيل، والآن بفرض الوساطة بين إيران والولايات المتحدة! وهكذا كان هناك من جهة رفع الشعارات ذات الأبعاد الرمزية، ومن جهة ثانية الإقبال على تغييب العرب بالتنافس على الاقتراب من الولايات المتحدة أو التنافس لكي يجعل كل منهما نفسه ملحوظاً عندما يؤون أوان التفاوض.
ويريد الإسلاميون الثوريون الآن ومعهم بعض الجمهور توزيع المسؤوليات وتحميلها عن المرحلة الماضية. وهذا أمرٌ لا غبار عليه إنما بشرط الوقوف على قدم المساواة، وأن تكون لذلك فوائد ونتائج. والذريعة في كل الأحوال الوعي. وقد كان الوعي في المرحلة الماضية أن فلسطين تحريرها على أهلها، وقد هبّ الثوريون على مختلف أشكالهم لحمل الراية. وهذا هو الخطأ الكبير الذي حصل ولا يُستثنى منه أحد. إنما العرب حتى في هذه المسألة قسمان، قسم اكتفى بالدعم والتأييد، وقسم اتجه الى التخريب، والعمل مع السياسات الدولية، وأخذ التكليفات منها. أما الحركات الثورية فسرعان ما انشقت واتجهت نحو الداخل تُمعن فيه – الى جانب العمل ضد إسرائيل – ضرباً وتمزيقاً. وكان المقصود الدخول في صراع على السلطة والاستيلاء، وتسويغ هذا الاستيلاء بأن فلاناً أو علاّناً قاتل إسرائيل. فإذا كانت بعض الأنظمة مسؤولاً بحكم التخلّي، فإنه يثبت الآن أن من يتخلى عن فلسطين إنما يتخلى عن انتمائه وعن استقراره وعن مستقبله. والمنشق – بأي حجة – والمتخلّي يتحملان القدر نفسه من اللوم، لكنه اللوم الذي يعيد توزيع المسؤوليات، ويضع الجميع في خدمة المشروع.
هناك تغيير ملحوظ في الوعي العربي، وإقبال على تحمل المسؤولية. ووعيٌ أوروبيٌّ أكبر بضرورة القيام بشيء. وروسيا وأميركا تتنافسان وحسب، لكن لا تتعاديان، وفي فلسطين بالذات لا يُرى تعارُض بين الرمزيات والعباديات والنضالات. والنيات الحسنة أو السيئة لا حكم عليها. وإن الحكم على الوعي وعلى تحمل المسؤولية وعلى «الفعالية».
حديث الدكتور البرادعي هو حديث في الوعي والمسؤولية على حد سواء. والعرب مخاطَبون بذلك بالدرجة الأولى. وليس العلاج بالصدمات الكهربائية، بل بتجاوز أسباب الضعف وشروطه. وفي هذين الأمرين تتركز المسؤولية للمرحلة المقبلة، وهو روحُ ومنطوق القرار الجديد في مجلس الأمن. وإذا كان في وسع الدوليين الحديث عن روح المسؤولية، فالعرب أَولى بالحديث عن ذلك.
* كاتب لبناني.
"الحياة"




















