ما انتهت إليه جلسة الحوار اللبناني، الثالثة، كان متوقعاً. لا اتفاق ولا حلول. تماماً كما أدّت إليه الجلسات السابقة. القضايا الخلافية لا تزال عالقة. البون شاسع بشأنها، بين الأطراف اللبنانية. خاصة بشأن «الإستراتيجية الدفاعية»، المطروح موضوعها على الطاولة. جرى عرض لوجهات نظر بخصوصها.
تمّ تشكيل فريق عمل من العسكريين، لدراستها وتبيان القواسم المشتركة، فيما بينها. كل ما طلع به المتحاورون كان، تحديد موعد الجلسة القادمة في 22 يناير القادم؛ و«التذكير بمواصلة الالتزام بنهج التهدئة، السياسية والإعلامية» خدمة للسلم الأهلي.
في ضوء ظروف ومعطيات الوضع اللبناني، لم يكن بالإمكان أفضل مما كان. وإذا كانت الأمور نسبية، فهذا بحدّ ذاته إيجابي. على الأقل هو يسحب الاحتقان من الشارع؛ ويضع هذا الأخير في الانتظار.
الملفات كلها على الطاولة، قيد البحث وبحضور كافة الفرقاء المعنيين. صحيح أن اللبنانيين ومعهم العرب، يتطلعون إلى حوار مثمر، يخرج البلد من أجواء الترقب الملفوف بالحذر والقلق. لكن الصحيح أيضاً، أنه في ظلّ الحوار، السابق والراهن، يحلّ الانفراج ولو المهدّد، مكان التوتر وأجواء الشحن والتعبئة.
الأهم من ذلك، أن لبنان قادم على استحقاق هام: انتخابات نيابية منتصف الربيع المقبل. وفي ظلّ المناخات والأحداث التي عاشها البلد، في السنوات الأخيرة، مثل هذا الحدث يلزمه تمهيد لحالة يتوفر معها الحدّ الأدنى من الأمن والاستقرار. لاسيما أنه يأتي على خلفية انقسام وأحداث ساخنة، بقيت تسود ساحته، حتى وقت غير بعيد.
يضاف إلى ذلك، أن الملفات الخلافية، لا يبدو أنها ستجد طريقها إلى التوافق قبل موعد الانتخابات، لذا فإن مواصلة الحوار والبحث بشأنها، يصبح مطلباً ملحّاً، لما يشيعه من اطمئنان وهدوء لازمين، لتمرير الموعد بسلام.
حقائق وسوابق الوضع اللبناني، عنيدة وقاسية. خلافاته عميقة. الإجماع حلّ مكانه التراضي المهتز، الذي كان ينهار بين الفينة والأخرى. الحوار، تبعاً لذلك، كان هو الآخر موسمياً وغير حاسم. كلفة البلد، بنتيجة ذلك؛ كانت عالية ومتكرّرة. تكفي تلك التي دفعها في حربه الأهلية الطويلة والمدمرة، أواخر القرن الماضي. كاد لبنان، قبل عدة أشهر، أن يقع في مثلها.
لكن هذه المرة، في فتنة أشدّ وأدهى. اتفاق الدوحة سحبه من بين أنيابها، ليضعه على طريق إحياء مؤسساته… والعودة مجدداً إلى الحوار. قطعت العملية، مذ ذاك، شوطاً واعداً؛ على صعيد الشق الأول. بالنسبة للشق الثاني، عاد الجميع إلى الجلوس للتخاطب وجهاً لوجه. بالتأكيد، هذا خير من أن يتراشقوا بالاتهامات عن بعد؛ ويعيدوا الأزمة إلى الشارع. صيغة مطلوب استمرارها، في أقله حتى الانتخابات.




















