قررت كل من الحكومتين السورية والعراقية إعادة سفيرها إلى بلد الآخر، بعد أن استدعي للتشاور في أغسطس 2009، واحتاج هذا التشاور بقاء السفير في عاصمته عاما كاملاً، إلى أن التقى وزيرا خارجية كل من البلدين في نيويورك قبل أيام، وقررا الإفراج عن سفيريهما.
والعودة بالعلاقات إلى طبيعتها كما صرح وزير الخارجية العراقي، وبذلك انتهى عام من العلاقات السيئة بين حكومة نوري المالكي والحكومة السورية، كانت تختبئ تحت صمت كثيف من قبل الطرفين، وكف المسؤولون السياسيون والدبلوماسيون ووسائل الإعلام عن التعرض للخلاف، أو نقد الطرف الآخر، أو شن حملة عليه، كما هي العادة في الخلافات العربية.
إلا أن ذلك لم يمنع كلا منهما أن يكيد للآخر، ويعمل ضده، ما استطاع دون معارك كلامية معلنة، لكن حبل التواصل والأخذ والرد لم ينقطع كلياً بين المالكي والحكومة السورية بطريق غير مباشر هو الطريق الإيراني، حيث لعبت السياسة الإيرانية دور المهدئ وكاسر حدة الخلافات ثم العراب بين الطرفين، إلى أن توصلت قبل شهرين إلى ما لم يكن أحد يتوقعه.
وهو دعم السياسة السورية للمالكي لتشكيل الحكومة العراقية، أو باللغة الدبلوماسية بقاء هذه السياسة على مسافة واحدة من جميع المرشحين بمن فيهم المالكي، ولم يكن أي مراقب يتوقع قبل عام أو حتى قبل أشهر أن تتخذ السياسة السورية مثل هذا الموقف.
تعود أسباب الخلاف إلى أغسطس عام 2009، عندما اتهم المالكي تنظيم البعثيين العراقيين المقيمين في سورية بتفجيرات إرهابية حصلت في بغداد كان ضحيتها مئات القتلى والجرحى، وهي ما سميت في ذلك الوقت بتفجيرات الأربعاء الدامي، وأوحى المالكي أن أجهزة الأمن السورية تساعد هذه التنظيمات، وربما كانت على معرفة بنشاطاتها، وطالب الحكومة السورية بتسليم من اعتبرهم مسؤولين عن هذه التفجيرات.
وعندها شعرت السلطات السورية بالاستفزاز تجاه هذه الاتهامات وعبرت عن غضبها الشديد، وأنكرت صحة هذه التهم سواء منها الموجهة للبعثيين العراقيين اللاجئين في سورية أم للسلطات السورية، ورفضت ـ بطبيعة الحال ـ تسليم أحد من المطلوبين، وذكّرت المالكي أن سورية لا تسلم اللاجئين إليها لمن يطلبهم، وإلا لما كان هو الآن رئيساً للحكومة العراقية حيث كانت السلطات السورية قد رفضت تسليمه لحكومة صدام حسين وبقي لاجئاً فيها عدة سنوات.
واندهشت السلطات السورية المعنية من تصريحات المالكي، خاصة وأنه كان في زيارة لدمشق قبل أيام قليلة من التفجيرات، ولم يتعرض في محادثاته مع مسؤوليها لمثل هذه التهم التي أعلنها دفعة واحدة بعد ساعات من الأعمال الإرهابية، مما يشير إلى أنها اتهامات مبيتة. وقد تكون محاولات مبكرة من المالكي لإقامة تحالفات انتخابية داخل العراق، وكانت الانتخابات على الأبواب، أو حملات ضد سورية قد تلاقي هوى لدى الإدارة الأميركية.
ورغم سياسة الصمت التي اتبعتها السياسة السورية وتجنب الهجوم المباشر وشن الحملات الإعلامية ضد المالكي، إلا أن هذه السياسة أخذت تعمل كل ما يضعف المالكي، فبذلت جهداً كبيراً قبيل الانتخابات العراقية التي جرت في مارس آذار من العام الحالي، كي تستكمل القائمة العراقية أسباب قيامها بقيادة إياد علاوي، ونجحت في ذلك، وكانت هذه القائمة منذ اليوم الأول لإعلانها تشكل تهديداً واضحاً للمالكي.
كما بذلت السياسة السورية جهوداً كبيرة كي تقنع عمار الحكيم ومقتدى الصدر بالاتفاق على تشكيل قائمة واحدة، فتأسست قائمة مشتركة بينهما شكلت بدورها تهديداً آخر للمالكي، واستقبل الرئيس بشار الأسد في دمشق زعماء هذه القوائم، مقتدى الصدر، وعمار الحكيم، وإياد علاوي، كلاً على حدة.
وبذلت السياسة السورية جهوداً كثيفة لتحقيق الاتفاق أو التوافق بين هذه القوائم بعد الانتخابات، وساعدت على عقد اجتماعات بين قادتها في دمشق، وصار واضحاً أن موقف المالكي ضعيف، وأن عدم رضا السياسة السورية عنه ربما يودي به، فعاد وسمع الشروط السورية لقبول التصالح معه، وتقول بعض الأوساط الدبلوماسية المطلعة أن المالكي قبلها ثمنا لتغيير السياسة السورية موقفها تجاهه وتجاه ترشيحه لتولي السلطة في العراق.
كانت الحكومة السورية دعمت في الأشهر الأخيرة ترشيح إياد علاوي لتشكيل الحكومة العراقية، وكان تحالفها مع القائمة العراقية واضحا ومعلناً، وأوحت الصحف السورية بذلك مباشرة أومداورة، ثم فوجئ المراقبون في شهر أغسطس الماضي باستقبال الرئيس الأسد وفداً من حزب (ائتلاف دولة القانون) وهو حزب المالكي، الذي عبر عن سعادته بزيارة دمشق، وعن أهمية الدور السوري في استقرار العراق، وبعد ذلك بأيام أُعلن عن اتفاق بين سورية والعراق على تمديد أنابيب لنقل ما يقارب ثلاثة ملايين برميل من النفط العراقي يومياً إلى السواحل السورية، فضلاً عن تمديد أنابيب أخرى لنقل الغاز، وكذلك توسيع التبادل التجاري بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، سرت إشاعات بأن المالكي قدم اعتذاراً للحكومة السورية عن اتهاماته السابقة لها، ولذلك فإنها لم تعد تمانع في تشكيله للحكومة العراقية، أي أنها تخلت عن دعم علاوي.
وقد نوه علاوي بدوره بتغير الموقف السوري، وقال أن لسورية حساباتها وتقديراتها، مما أكد هذه الإشاعات. وقيل عندها أن سورية لم تجد بداً من الموافقة على ترشيح المالكي بعد أن اتفقت الإدارة الأميركية وإيران على ترشيحه.
أكد الرئيس العراقي جلال طالباني قبل أيام هذا الاتفاق الثلاثي، وقال إنه ليس اتفاقاً مباشراً وإنما تطابقاً بالمواقف دون تنسيق مسبق أو لاحق، وهكذا أصبح لسورية موقف جديد من المالكي، وانعقد بين الطرفين صلح يراه المراقبون هشاً أملته الضرورة دون رغبة أي منهما.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org
"البيان"




















