ترفض اسرائيل، وبشكل مستمر ومتعنت، الدخول في مفاوضات حول حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية. ووراء هذا الرفض هناك مطامع استيطانية لا حدود لها. وهذا الموقف الاسرائيلي لم يتغير منذ أول مفاوضات عربية- اسرائيلية :وهي تلك التي أجرتها مصر في عهد الرئيس السابق أنور السادات، وتمخضت عن اتفاقية كامب ديفي عام ١٩٧٩. فقد رفضت حكومة مناحيم بيغن في ذلك الحين التخلي عن التوسع الاستيطاني، حتى مع غياب الجانب الفلسطيني عن تلك المحادثات.
ولا يطلب الفلسطينيون أكثر مما طلبه الأشقاء العرب في عمليتي السلام اللتين سبقت إحداهما اعلان اوسلو ولحقت الثانية به. الأولى هي معاهدة كامب ديفيد سابقة الذكر، والثانية هي معاهدة وادي عربة مع الأردن الشقيق. يريد الفلسطينيون إنهاء الاحتلال عن الأرض التي استولت عليها اسرائيل في حرب ١٩٦٧ وهذا هو حقهم المشروع الذي كفلته قرارات الشرعية الدولية، وتحديدا قراري ٢٤٢ و٣٣٨ الصادرين عن مجلس الأمن الدولي عامي ١٩٦٧ و١٩٧٣ على التوالي.
ومع كل يوم تماطل فيه اسرائيل في بحث موضوع الحدود تقام مستوطنات جديدة، وتُخلق حقائق زاحفة تأكل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإذا كان البعض يقولون إن اسرائيل يمكن أن تخلي المستوطنات كما فعلت في سيناء وفي قطاع غزة، فإن حجم مستوطنات الضفة الغربية وعددها الذي يقدر بالمئات، والعدد الكبير من المستوطنين الذين يقيمون فيها والذي يزيد عن نصف مليون، تثير تساؤلات جدية حول إمكانية قيام اسرائيل بخطوة كهذه. ثم لماذا تنفق مليارات الدولارات على بناء المستوطنات إذا كان مصيرها الإخلاء أو التفكيك، كما يقال؟
حدود الدولة الفلسطينية هي حدود العام ١٩٦٧، وهذا ما تؤكده قرارات الشرعية الدولية التي لا تعترف لا بالمستوطنات ولا بضم القدس الشرقية لاسرائيل. فلماذا تضرب اسرائيل بإرادة المجتمع الدولي عرض الحائط؟ ولماذا تطول مماطلات اسرائيل للدخول في مفاوضات حول ترسيم حدود اسرائيل وفلسطين؟
من الواضح أن الحكومة الاسرائيلية التي ترفض تجميد الاستيطان من ناحية، وتماطل في بحث قضية الحدود من الناحية الأخرى، إنما تريد الحرية الكاملة في ابتلاع الأراضي الفلسطينية، واستثمار الوقت الثمين في بناء المستوطنات.
وقد اطلع الجميع على تقارير صحفية نفاها المسؤولون الأميركيون أمس حول إمكانية خلاقة لتجاوز الجمود الحالي في مفاوضات السلام من خلال الاعتراف بحدود العام ١٩٦٧ كأساس للتسوية الدائمة، أي باعتبارها حدودا للدولة الفلسطينية العتيدة، ومن شأن ذلك أن يكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة الدولة الفلسطينية التي من الواضح أن المتطرفين في الحكومة الاسرائيلية اسرائيل لا يرغبون مطلقا في إقامتها، بل هم يفضلون إبقاء الأراضي الفلسطينية لقمة سائغة للمستوطنين.
ولو كان تنياهو جادا في نواياه السلمية فقد كان من المفروض أن يتخلص من العناصر المناوئة للسلام وأن يضم إلى الحكومة الاسرائيلية الأحزاب التي تعلن عن دعمها لعملية السلام.
ويتوقع المجتمع الدولي أن تجري المفاوضات المباشرة بعيدا عن التوسع الاستيطاني وأن تؤدي إلى خطوات واجراءات تجعل من الدولة الفلسطينية حقيقة واقعة، بعد أن طال التفاوض بشأنها.
وعلى المجتمع الدولي، أيضا، أن يقوم بتحمل مسؤولياته من خلال الاعتراف بما نصت عليه قرارات مرجعياته الشرعية بأن تقام الدولة فلسطينية في حدود ١٩٦٧ والعمل الجاد من أجل رفع القبضة الاسرائيلية عن الشعب الفلسطيني.
فهل نحن متفائلون أكثر من اللازم؟ كل المؤشرات تدل على ضيق المجتمع الدولي بتعنت المتطرفين والمستوطنين. فمن يقوم بالخطوة الخلاقة الأولى؟
القدس




















