كانت الدول العربية تتوقع حصول مفاجآت على هامش اجتماعات الدورة السنوية للأمم المتحدة التي حضرها الرئيس الاميركي باراك اوباما.
كما كانت تتوقع حدوث تقدم ملحوظ على الجبهات الساخنة المرشحة للانفجار والتفكك والانفصال مثل: السودان واليمن والصومال والعراق.
ولكن النتائج العملية خيّبت آمال المراهنين على ضبط التمدد الايراني، وتليين الموقف السوري وايجاد صيغة مقبولة لحل عقدة الاستيطان. وبما ان القضية الفلسطينية تشكل الرحم السياسي الذي ولدت منه قضايا المنطقة، فان استحضارها يتطلب مراجعة سريعة لمواطن الخلل في المفاوضات المباشرة.
وتقضي هذه المراجعة بضرورة كشف الحقائق عن اهداف "حزب العمل" الاسرائيلي بعد حرب 1967. فقد قابل فكرة اقامة دولة فلسطينية مستقلة بمشروع بناء مستوطنات في الضفة الغربية تكون بمثابة عائق جغرافي لوحدة الدولة المرتقبة.
وبما ان تغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، سيخلق حقائق جديدة على الارض، فان المفاوضات الآن تتجه نحو الانهيار والفشل. لماذا؟
لأنه من دون تجميد مشروع الاستيطان يستحيل انشاء دولة فلسطينية متماسكة الاطراف، متكاملة الاجزاء، قابلة للحياة والاستمرار. ومن اجل انقاذ المفاوضات، اقترح الجانب الفلسطيني تمديد فترة تجميد الاستيطان ثلاثة اشهر اضافية، لعل الظروف الاقليمية المقبلة تساعد على تعبيد طريق التسوية. مقابل تنفيذ هذا التعهد، طالب نتنياهو بثمن سياسي، اقله الاعتراف باسرائيل دولة لليهود. ورد الرئيس محمود عباس على هذا المطلب بالتذكير ان الاعتراف المتبادل سنة 1993 اقر بوجود دولة اسرائيل. ولكن الاصرار على تعديل صيغة الاعتراف السابق، يهدف الى الغاء قرار حق العودة والتعويض لكل اللاجئين بعد حرب 1948. كما يسلحها بالحجة لطرد السكان العرب الموجودين داخل اسرائيل (فلسطين سابقا) منذ مئات السنين.
في مواجهة منافسه افيغدور ليبرمان الذي يحرض المستوطنين على التمرد والعصيان، اقترح نتنياهو مقابل التجميد، توقيع تعهد خطي يقدمه محمود عباس، وتلتزم بالاشراف على تنفيذه الادارة الاميركية. ويقول التعهد انه في حال فشل الفريقين في تحقيق تقدم سياسي من طريق المفاوضات المباشرة قبل 26 كانون الاول يتوقف رئيس السلطة الفلسطينية عن المطالبة باحياء اتفاق السلام. ويستدل من هذا الشرط ان نتنياهو يرمي الى تحميل الفريق الفلسطيني مسؤولية الفشل، مع الاصرار على ان تكون هذه الجولة آخر جولات اختبار النيات.
ويبدو ان الرئيس اوباما قد تنبه الى خطورة التورط في تعهد من هذا النوع قد يضعف شعبيته قبل انتخابات تشرين الثاني المقبل. لذلك استنجد بالاتحاد الاوروبي لعله يساعده على انقاذ المفاوضات قبل انفجار الانتفاضة الثالثة. ولهذا السبب وصلت الى المنطقة كاثرين اشتون، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي، على امل ان تنجح في احداث اختراق في جدار التسوية بالتعاون مع المبعوث الاميركي الخاص جورج ميتشل.
الأزمة الثانية المرشحة لاستنزاف الجامعة العربية، هي ازمة السودان وما ينتج عنها من مضاعفات خطيرة تؤثر على وضع مصر والدول الافريقية المجاورة.
وقد اشار الرئيس الاميركي اوباما الى اهمية الالتزام بموعد تقرير المصير المقرر في التاسع من شهر كانون الثاني المقبل. ولما اجتمع في الامم المتحدة مع علي عثمان طه، نائب الرئيس السوداني، وسالفاكير، النائب الثاني، ادرك عمق الهوة السياسية التي تفصل الشمال عن الجنوب. لذلك حذر من مخاطر العودة الى خيار الحرب، مطالبا الفريقين بضرورة الامتثال الى اتفاق السلام الشامل. وقال الرئيس الاميركي ايضا: ان ما يحصل في السودان يهم كل افريقيا كونها تمثل حجر الاساس في "دومينو" هذه القارة الغنية. وكان بهذا الكلام يشير الى المزاحمة الشرسة بين بلاده والصين على استغلال محافظة "ابيي" الغنية بالنفط والمياه والثروات الطبيعية المتنازع عليها بين الشمال والجنوب. وتلاه علي عثمان طه، مؤكدا ان حكومة الشمال ستوافق على نتائج الاستفتاء حتى لو اختار اهل الجنوب تقسيم البلاد. ورد عليه سالفاكير، مطمئنا بأن الجنوب يسعى لاقامة افضل العلاقات مع الشمال باعتباره الدولة الملاصقة والجارة الطبيعية.
وهكذا كشف حوار نائبي الرئيس السوداني امام امين عام الأمم المتحدة والرئيس اوباما عن اصرارهما على استباق النتائج بالاعلان عن خيار التقسيم وكأنه تحصيل حاصل.
السلك الديبلوماسي العربي في الخرطوم يحذر من احتمال اندلاع حرب ثانية في حال قرر اهل الجنوب الانفصال عن الشمال الفقير. وربما يضطر الرئيس عمر البشير الى اعادة الوحدة ولو بقوة السلاح، علما بأن الشعب السوداني دفع ثمنا غالياً في حرب الشمال والجنوب، بحيث قتل منه اكثر من مليون نسمة، وشرد الملايين.
وتحاشيا لتكرار الحرب المدمرة، قدم زعيم "حزب الامة" المعارض الصادق المهدي، مشروع حل يمكن ان يتبناه الرئيس البشير، وتدعمه الأمم المتحدة والجامعة العربية. وينص المشروع على اهمية معالجة ملف "دارفور" بعد مرور اكثر من سبع سنوات على النزاع. وفي رأيه ان المعالجة الصحيحة تؤسس لكونفيديرالية او لسوق مشتركة تجمع شمال البلاد بجنوبه، بدلا من الاستسلام لخيار الانفصال البغيض. والبديل، كما يتصوره الصادق المهدي، هو الاحتراب واغراق السودان في مواجهات مدمرة يمكن ان تستقطب كل الحلفاء الاجانب. عندئذ قد يتحول السودان كونغو اخرى، اي ساحة مشرعة للنزاعات الطويلة.
العواصم الكبرى ترشح الصومال لخوض حرب طويلة، ما دامت "القاعدة" تؤمن السلاح للمتمردين "الشباب" الذين يقاتلون القوات الحكومية وقوة الاتحاد الافريقي.
ويسيطر الاسلاميون في حركة "الشباب" على القسم الاكبر من وسط جنوب الصومال، حيث يشنون باستمرار هجمات ضد قوات الحكومة الانتقالية وجنود الاتحاد الافريقي. والثابت ان القوات النظامية فقدت سيطرتها على الكثير من احياء "مقديشو". ومع ان الاتحاد الافريقي ارسل اكثر من ستة آلاف جندي من اوغندا وبوروندي، الا ان المتمردين نجحوا اكثر من مرة في الوصول الى قصر الرئاسة. وفي آخر هجوم قاموا به نهاية شهر آب الماضي، قتلوا اكثر من 35 شخصا في احد الفنادق، كان بينهم سبعة نواب. ثم اندفعوا بقوة نحو قصر الرئاسة، الأمر الذي اضطر القوات الحكومية الى استخدام الدبابات لصدهم.
وتزعم قيادة "القاعدة" انها في صدد شن هجوم واسع قبل نهاية السنة، بهدف السيطرة على العاصمة "مقديشو" والانطلاق منها للاستيلاء على كل شواطىء القرن الافريقي. وهي تضغط لتقسيم اليمن بواسطة الحوثيين والجنوبيين، بهدف اقامة مظلة دفاعية لمراقبة سير الملاحة في باب المندب.
وفي تطور ملحوظ انشأت القاعدة منذ اربعة اشهر، فرقة انتحارية تدعى "حركة الصومال المتمردة خارج البلاد". ويقتصر نشاطها على تنفيذ عمليات داخل "كمبالا" عاصمة أوغندا، بحيث تضطر حكومة أوغندا الى سحب قواتها من الصومال. وتشكّل هذه القوة تسعين في المئة من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الافريقي وقوامها 6300 جندي.
وزير التنمية الدولية البريطاني، حذر من مخاطر جسيمة في حال انهيار الدولة المركزية في اليمن، وقال ان مخاطر كبرى تنتظر المنطقة اذا ما انتصر تيار الانفصال بدعم من الحراك الجنوبي. وقد أثار هذا التحذير اهتمام دول الاتحاد الاوروبي التي رأت في هجمات "القاعدة" اعداداً لانقلاب شبيه بالانقلاب الذي شجعه عبد الناصر مطلع الستينات. يومها رأت الولايات المتحدة في ذلك الانقلاب، التفافاً على منطقة النفط، وترويعاً لكل الدول المستهلكة. والثابت ان تنظيم "القاعدة" باشر ضغوطه العسكرية داخل محافظتي عدن الجنوبية ومأرب الشرقية، بهدف احراج صنعاء وجرها الى محاربة "الجيش الاسلامي" في عدن. وهو الجيش السري المتهم بالوقوف وراء عمليات عنف، بينها اختطاف سياح واغتيال ضباط أمن.
ويقول المراسلون في اليمن ان "القاعدة" اعتمدت تكتيكاً جديداً عبر الرسائل التي توجهها الى المواطنين من خلال خطب الجوامع والمنشورات. وتشير هذه الخطب الى الاوضاع البائسة التي يعاني منها المواطنون، في حين تنعم السلطة الحاكمة بالثراء ومصادقة الاميركيين الكفار. كما تشير ايضاً الى حالات القمع الاجنبي الذي يعانيه الشعب العربي في فلسطين والعراق وافغانستان. من بين الدول العربية الاخرى المرشحة للتشرذم والانقسام، يشكل لبنان أولاً والعراق ثانياً، موقعين خصبين للانفجار، علماً بأن الحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975 لا تزال ساكنة في النفوس والعقول. ومعنى هذا ان اتفاق الطائف واتفاق الدوحة، لم يولّدا أكثر من هدنة طويلة استمرت نحواً من عشرين سنة، وانما بايقاع متقطع لم يعرف خلاله المواطنون سوى الكدر والاغتيالات والمآتم والشعور بعدم الاستقرار. لهذا يتوقع السياسيون انتهاء الهدنة باعلان حرب حاسمة تجذب الى أتونها كل المستفيدين من تجارة الحروب.
أما بالنسبة الى أزمة العراق المستعصية، فإن القوى المتآمرة ترى في هذا البلد ساحة مشرعة لاغراق ايران وسوريا في مستنقع حرب مقاومة نفوذ الجارتين، خصوصاً ان المالكي سيكون موزع الولاء بين انتمائه لحزب "الدعوة" الايراني، والتزامه الحفاظ على الشرعية الوطنية بعد إنسحاب القوات الاميركية آخر السنة المقبلة!
( كاتب وصحافي لبناني )
"النهار"




















