تتوجه الأنظار منذ الآن نحو ما سيتمخض عن الاستفتاء العام المزمع اجراؤه في اقليم جنوب السودان مطلع السنة المقبلة ليقرر شعبه مصيره بارادته الحرة في الاستقلال واعلان دولته الخاصة أو البقاء كما كان سابقا في اطار الدولة السودانية. وليس سرا أن الخيار الأول هو المرجح حسب كل التقديرات وذلك اعتمادا على المواقف المعلنة للنخب السياسية والثقافية الجنوبية، ورغبة الأوساط الشعبية عموما في الخلاص من اضطهاد الأنظمة السودانية المتعاقبة الاستبدادية والثيوقراطية ذات اللون الواحد الحاكمة في الخرطوم بنزعاتها الأصولية الاسلاموية والقومية معا وانعدام حظوظ “الوحدة الجاذبة” حسب تعبير الجنوبيين مضافا الى ذلك البيئة الدولية الحاضنة لارادة استقلال الجنوب وترسيم الحدود ومعالجة قضايا دارفور ومنطقة أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والتمهيد بخطوات متلاحقة منذ حين في توفير المستلزمات الاقتصادية والديبلوماسية والتنموية والأمنية. وكان آخر تجلياته اللقاء الأربعيني حول جنوب السودان على هامش الاجتماع الدوري للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك بحضور مميز ومعبر للرئيس أوباما.
العلاقة الوثيقة بين عملية التغيير الديموقراطي وانجاز حق تقرير المصير واعادة بناء الدولة العصرية في مشهد السودان تكاد تكون عضوية غير قابلة للانفصام وهي تدفع مجتمعة نحو محاولة حل الأزمة العامة في العلاقات القومية في مجتمع متعدد القوم والعرق والمعتقد وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية والثقافية والادارية لكل السودانيين في الشمال والجنوب والأطراف بمختلف مكوناتهم القومية والأثنية والدينية، واذا تعذر ذلك فامام الجنوب والأقاليم الأخرى فرصة بناء كياناتها – الديموقراطية الجديدة – الواعدة التي ستشكل تراكمات معاناتها الطويلة من الظلم والحرمان والقمع خميرة لولادة الجديد الأفضل بكثير مما هو سائد الآن في أسوأ الأحوال. واذا كانت القوى الوطنية السودانية المعارضة بشكل أساس قد حسمت موقفها من خلال اعلان جوبا للحوار قبل أشهر بشأن تنفيذ اتفاقية السلام واحترام ارادة شعوب الجنوب ودارفور والمناطق الأخرى في تقرير مصيرها عبر الاستفتاء الحر، وكذلك الأمر حول التحول الديموقراطي والمصالحة الوطنية فان النخب السياسية والثقافية في الجنوب متمثلة بقيادة الحركة الشعبية التزمت ومازالت تسعى من أجل "سودان جديد لأن القديم قائم على التناحر والحروب وأن مستقبل السودان في اتجاه الوحدة كامن في أن يتحول الى دولة تتسع لكل أهلها على أساس الحرية والمساواة واذا لم يتحقق ذلك فسينهار السودان بسبب العوامل الداخلية وغياب أسس الوحدة".
نعم تطورات السودان الآتية عموما والجنوب على وجه الخصوص تشكل – زلزالا – حسب تعبير الكاتب جهاد الزين ليس بالمعنى الكارثي ولكن على المفاهيم والتوجهات القديمة السلبية حول حق الشعوب في تقرير المصير. وهي الى جانب تطورات كوسوفو وموقف محكمة العدل الدولية المتفهم في لاهاي لخطوتها الاستقلالية تشكلان سابقة تاريخية غير معهودة في بداية القرن في احترام مبدأ تقرير المصير وتطبيقاته على الأرض مجسدة ارادة المجتمع الدولي ومضامين ميثاق الأمم المتحدة الحريصة على تطبيق الحق والعدل والمساواة وعدم تعارض ارادة تقسيم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة مع مبادىء الشرعية الدولية وجواز الانفصال بضمانات دولية – الذي هو أبغض الحلال – اذا لم تتوافر أسباب وشروط العيش المشترك بين الشعوب والقوميات والأجناس في سلام ووئام ومساواة وشراكة عادلة.
هناك مشتركات عامة بين قضايا الشعوب المناضلة وحركاتها التحررية القومية وخاصة ما يتعلق بمبدأ حق تقرير المصير وشرعية وعدالة الكفاح ضد الاحتلال والاضطهاد، وفي سبيل الخلاص والتغيير بمختلف الأشكال كما تتوافر أوجه التشابه بين تجارب التحرر الوطني في مختلف القارات والمناطق. وفي تناول سريع لمدى تأثيرات المشهد السوداني عموما والسابقة الجنوبية بوجه الخصوص على الحالة الكردية كمكون قومي رابع في المنطقة لم ينجز بعد حقه بتقرير المصير الى جانب شركائه الآخرين المتمتعين بدولهم القومية، من عرب وترك وفرس، نقول إن الأهداف العامة للمشروع الكردي تكاد تنحصر في السعي لتحقيق السلام والتغيير الديموقراطي والتعايش السلمي والشراكة العادلة في السلطة والثروة واعادة بناء الدولة الحديثة على قاعدة التعددية القومية والثقافية والسياسية واعتماد أحد أشكال تقرير المصير التي تتوزع بين (الادارة الذاتية واللامركزية والمناطق القومية والحكم الذاتي والفيديرالية والكونفيديرالية والاستقلال) وذلك بالاستناد الى نتائج الاستفتاءات الحرة النزيهة في تحديد الخيارات، والتي يمكن أن تجري باشراف دولي وبتوافر عوامل الالتقاء والتوافق بين الفرقاء المعنيين. ومن هذا المنظور فان تجربة الجنوب السوداني ستلقي بظلالها على جميع قضايا الشعوب والقوميات وحركاتها السياسية المناضلة من أجل رفع الاضطهاد وانتزاع الحقوق وفي المقدمة القضية الكردية وخاصة في مجال امكان حل المسألة القومية الكردية عبر المسار السلمي وفي اطار الشرعية الدولية وضمانات المجتمع الدولي ومن خلال المسعى العام المشترك مع الشعوب الأخرى لتحقيق التغيير الديموقراطي والاصلاح الدستوري والتنمية وبناء الدولة الحديثة.
انعكس التقسيم الاستعماري لميراث الامبراطورية العثمانية وترتيبات سايكس – بيكو سلبا على الكرد وحركتهم القومية التي بدأت تندمج موضوعيا مع الاحتفاظ بخصوصيتها في المشهد السياسي العام في الدول الوطنية الاربع (تركيا – ايران – العراق – سوريا) التي يتوزع فيها الكرد مما استدعى عمليا ظهور برامج خاصة بكل جزء متضمنة رؤى وصيغا وخططا في الاطار العام لحق تقرير المصير مقتصرة على الحدود الوطنية القطرية لتلك الدول وذلك حسب مفهوم واقعي يأخذ في الاعتبار الحدود المرسومة المقسمة والموزعة للشعب الكردي بين مجتمعات عدة متفاوتة في درجات التطور الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والنظم السياسية والوعي الثقافي.
"زلزال" جنوب السودان الذي سيعيد الحرية لشعبه ويبدأ بتعريفه وبنائه من جديد يعد انتصارا لكل قوى التغيير في المنطقة من شعوب وحركات تبحث عن الحرية وتواجه الأصولية في وجهيها الديني والقومي ونوازعها الارهابية ومظاهرها الشعاراتية الممانعة التي كانت السبب في أزمة الجنوب، يجب أن لا يخيف كل من يعمل من أجل مصالح الشعوب من قوى وتيارات. وعلى الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في البلدان المقسمة للشعب الكردي أن لاتندفع لاتخاذ خطوات ثنائية أو ثلاثية أو أكثر تحت ضغط ردود الفعل تحت ذريعة الوقاية من تأثيرات الحدث الجنوب السوداني باللجوء مرة أخرى، وكما عودتنا الى الوسائل العسكرية والاتفاقيات الأمنية ضد الكرد وحركاتهم القومية التي تمارَس ويُعاد انتاجها منذ أكثر من سبعين عاما بكل تكاليفها البشرية والمادية وتبعاتها من دون أي تقدم نحو تحقيق الهدف المرسوم وهو القضاء على الشعب الكردي وتطويع ارادته وتذويبه في بوتقات القوميات السائدة، والسبيل الأفضل اتباعه هو الحوار والتفاهم في ظل التغيير الديموقراطي والتوافق بين المكونات وايجاد الصيغ الدستورية الضامنة لحق الكرد في تقرير المصير حسب ارادتهم الحرة وعبر عمليات الاستفتاء النزيهة.
منذ نحو عقدين تنبه الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال الى خطورة ما يجري تجاه الكرد فأعلن مشروعه في فيديرالية تركية – كردية – عراقية وغالب الظن لو بقي على قيد الحياة لوسع مشروعه الفيديرالي ليشمل دول الجوار بمكوناتها القومية الرئيسة الأربعة (العرب والترك والفرس والكرد) في منطقة "قوس الأزمات" حسب توصيف المستشار الأسبق للأمن القومي الأميركي بريجينسكي والتي من الممكن تحويلها "قوس الخير والبركات".
• راجع مقال جهاد الزين: "هل استعدت النخب العربية المشرقية لزلزال انفصال جنوب السودان؟" "قضايا النهار" – الثلثاء 28/9/2010
صلاح بدر الدين – أربيل
"النهار"




















