يشهد الأردن هذه الأيام حراكاً سياسياً كبيراً ومميزاً ، يمهد للانتخابات النيابية التي تقرر إجراؤها يوم التاسع من تشرين الثاني القادم . ورغم أن الطبيعة العشائرية هي السمة الغالبة على السطح الاجتماعي والنشاط السياسي والانتخابات بكل أشكالها في الأردن ، فإن مشاركة الأحزاب السياسية المؤيدة للسلطة والمعارضة لها بشكل جدي ومكثف تلفت النظر ، وتثير مكامن الشجن . فمن أصل 17 حزباً سياسياً في الأردن ، يخوض الانتخابات البرلمانية القادمة 15 حزباً ، على الرغم من إعلان معظم الأحزاب عن عدم رضاها بل اعتراضها على قانون الانتخابات الذي يصب الماء في طاحونة العشائرية ، ويعيق بشكل كبير تقدم الأحزاب السياسية ، ويحد من قدرتها في الوصول إلى البرلمان . لأنه يعطي صوتاً واحداً للناخب الواحد ، مما يضعف قدرة مرشحي الأحزاب على منافسة مرشحي العشائر واختراق عصبويتها الانتخابية .
أربعة أحزاب معارضة تشارك في هذه الانتخابات مؤتلفة في قائمة رباعية واحدة ، تضم ممثلاً لكل من حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب البعث التقدمي والحركة الوطنية . بينما يقاطع هذه الانتخابات حزب جبهة العمل الإسلامي ، أكبر الأحزاب الأردنية وأكثرها تنظيماً وقدرة على الوصول إلى البرلمان ، بسبب اعتراضه على قانون الانتخابات المذكور .
وبغض النظر عن نسبة التشوه التي تعتري العملية الديمقراطية الجارية في الأردن الشقيق ، وعن المآل الواقعي الذي ستسفر عنه هذه الانتخابات ، فإن أشقاءنا الأردنيين جديرون بالتهنئة والتبريك على ما أنجزوه وما ينعمون به . فقد وضعوا قطار العمل السياسي في بلادهم على أول السكة ، رغم وجاهة الكثير من الاعتراضات والملاحظات ، ودون أن تغيب عنا عوامل هشاشة هذه التجربة الوليدة وضعف بنيانها . لأن تنظيم الحياة السياسية في البلاد على أساس من الحرية والتعددية ، وتوفير المناخات الملائمة لخوض انتخابات ديمقراطية يشكل هدفاً بذاته ، يمكن الانطلاق منه لتحقيق الأهداف الأخرى ، وتوفير مناخ ديمقراطي سليم وتمثيل شعبي حقيقي وانتخابات حرة ونزيهة فعلاً . فشتان بين الرمد والعمى .
المشهد السياسي الأردني يدعو للتفاؤل . ويشكل شهوة لكثير من العرب ، وخاصة لنا نحن السوريين . أحزاب سياسية متضامنة مع السلطة ومؤيدة لها ومدعومة منها ، وتخوض الانتخابات على برنامجها . وأحزاب معارضة منفردة أو مؤتلفة في تجمع معارض ، تخوض الانتخابات على أساس برنامجها الخاص أو البرنامج المشترك . وأحزاب أخرى تقاطع الانتخابات لأسباب سياسية ومبدئية رغم قدرة بعضها على دخول البرلمان بيسر .
حياة سياسية طبيعية أو شبه طبيعية ، تجعل التقدم نحو المستقبل ممكناً ، والحلم به مشروع ومطلوب . فهل قليل أن يصبح العمل السياسي متاحاً أمام المواطن الأردني بشكل شرعي وقانوني وعلني مثل بقية خلق الله في هذا الكون الواسع باستثناء الموات العربي الجاثم على صدر الأمة في ظل الاستبداد ؟ !
تشتعل فينا نحن السوريين شهوة الوصول إلى هذا الحلم . ولا نكذب إذ نقول : إننا نداري حسداً مكبوتاً لإخوتنا في الأردن على ما ينعمون به . خاصة وأنه لم يغب عن بالنا يوماً ، أن بلادنا كانت مهد تحقق هذا الحلم قبل أي أرض عربية في المشرق أو المغرب . وأن اجدادنا نعموا فيما نستمر في اشتهائه منذ قرابة قرن من الزمن . عندما كانت الشام والشاميون يصنعون التاريخ الاستقلالي للدولة الوطنية في المنطقة ، ويشقون الدروب الريادية للتغيير باتجاه النهضة عبرنظام الحريات والديمقراطية والتنمية . فالحياة السياسية المنظمة على قاعدة الحرية ، والحياة الحزبية التعددية والحديثة ، والانتخابات الحرة والنزيهة ، والحياة الدستورية والقانونية وتداول السلطة ، بعض من التراث السياسي السوري ، ما غاب طعمه الرائع عن ذائقة السوريين وذاكرتهم ( ولن يغيب ) ، رغم القطيعة والانقطاع الذي سببته مرحلة الاستبداد المتطاولة .
هنيئاً للأردنيين حياتهم السياسية الحرة والعلنية والمتعددة . وهنيئاً لهم موالاتهم ومعارضتهم . وهنيئاً لهم اشتراكهم في الانتخابات ومقاطعتهم لها . هنيئاً لهم حياتهم السياسية الطبيعية . وعقبى لنا . . .
3 / 10 / 2010 هيئة التحرير




















