بعد تكليف المالكي وما رافق ذلك من تجاذبات سياسية بين الكتل الكبيرة التي حققت فوزاً في تلك الانتخابات، بقي تشكيل الوزارة موضع متابعة من قبل القيادات العراقية التي ما ان تطأ قدما إحداها أرض العاصمة السورية – دمشق حتى تتبعها الأخرى ومن اتجاه سياسي آخر. وما لم تحدث مفاجأة، فإنّ المالكي يقترب من تحقيق النصاب البرلماني اللازم لتشكيل الحكومة الجديدة بعد مخاض عسير وشائك، ولكن بقي ان تعلن كتلتا “العراقية” برئاسة إياد علاوي، والأحزاب الكردستانية من تسمية مرشحيهما لرئاسة الجمهورية ومجلس النواب، وبعد ذلك يمكن دعوة مجلس النواب للانعقاد واطلاق عملية تشكيل الحكومة.
فانتخاب المالكي لا يتعدّى كونه الأمتار الأولى في ماراثون طويل، إنما المهم: ما الذي ستكون عليه هذه الحكومة شكلاً ومضوناً؟ وكيف سيفلت أقطابها من اختلالات حكومة المالكي الأولى وعللها؟ بل كيف سيفلت المالكي نفسه من قيود المحاصصة التي عطّلت البرلمان وشلّت الحكومة وجعلت “الشركاء” مراكز قوى تتربّص ببعضها بعضاً وتكيد وتتآمر وتعوق أي جهد رصين للإصلاح والبناء وتضميد الجراح ومعالجة الأزمات الموروثة منها أو المستحدثة؟
المهم، أيضاً، كيف سيكون شكل (ومضمون) مشاركة “العراقية” في الحكومة؟ إذ تشير معطيات عدة الى أنها تخلّت عن خيار المقاطعة، لكنّ الغموض لا يزال يغلّف طبيعة مشاركتها.
من المتعذّر موضوعياً القفز علي الواقع المرير الذي يفرض اضطرار الاحتكام الى صفقة تحاصصية لتقاسم المناصب والحقائب، لكنْ هل من المتعذّر، أيضاً، تهذيب هذه الصفقة بما يضمن تقليل أضرارها وتحييد الاختراقات الناجمة عنها بما يتيح في أقلّ تقدير الحدّ الأدني من السلم الاجتماعي؟
بلا شك أن فشل أحزاب السلطة والتهالك على الهيمنة على السلطة أدى بقادة الكتل للولوج في لعبة خطيرة للغاية تتمثل في مداراة المطالبة الانتهازية لقادة الاحزاب الكردية في حسم ملف الصراع على هوية مدينة كركوك المتنازع عليها بين الاكراد والعرب والتركمان. فأحزاب المالكي وعلاوي والحكيم لا نرى مانعا من تسليم المدينة للجبهة الكردية وبما يعني ميدانيا إشعال حرب أهلية في كركوك ستكون فتيل يشعل معها العراق. المشهد العراقي كان قد وصل في ظل الفشل إلى مشهد انتحاري وانفجاري، وهو مشهد كان سيفجر المنطقة برمتها ما لم تسرع الدول المجاورة، سورية والسعودية وتركيا وإيران، وبموافقة أميركية للسيطرة عليه.
كان العراق يسير في منعرجات الفتنة لأحزاب السلطة الطائفية، والتخبطات الادارية، والفشل المريع في إدارة الصراع الوطني والداخلي. وكل هذه الوقائع لم يكن لها من نهاية سوى ذلك الخيار الخائب، وهو خيار الحرب الاهلية الذي بات، ليس خيارا تهديديا يلوحّ به البعض فقط، بل دخل في خانة الخيارات الاستراتيجية التي تم أعداد وتهيئة المسرح العراقي لها بعد الاحتلال الأميركي العام 2003، وحيث تحول الحلم الديمقراطي في العراق لانتكاسة حقيقية ولكابوس لا يهدد العراقيين ووحدتهم الوطنية ومشروعهم الوطني فقط بل يهدد دول الجوار العربية والإقليمية.
في ضوء هذا الواقع أعتبر العراق الراهن ليس موحّداً وليس مقسّماً، ففيه شيء من الاثنين معاً، وفي لحظة ما يمكن أن تترصنّ عناصر الوحدة فيه أو تتفاقم عناصر التقسيم، لكنْ ليس ثمة على الأرض، حالياً، ما يشير الى غلبة إرادة على أخرى، لا على مستوى مصالح مراكز السلطة والنفوذ، ولا على مستوى المنقادين الى هذه المراكز من فئات اجتماعية، ممن يقعون تحت تأثير الشعارات ى الانفصالية (التي تستثير شوقاً الى كيان خاص من دون شراكة أو تستدعي تراثاً من الذوبان والتبعية)، أو الشعارات الطائفية التي تصطنع أسباباً للكراهية والعداوة أو تضخّم موروثات خلافية ومظلوميات أو تلفّق حقوقاً وتفوّقاً وتميّزاً.
لقد جاء التحرك السوري السعودي التركي في اللحظة الفاصلةً، بعدما كانت إشارات تدهور الأوضاع في العراق ووصولها لنقطة اللاعودة قد أصبحت واضحة من خلال مسلسل الاغتيالات الغامضة واستهداف رجال الأمن، وتعطيل الخدمات، وانهيار الشبكة الكهربائية، وبدء الدخول الحقيقي في دائرة الفوضى الشاملة مع حملات الحشد والجذب الطائفية التي تقوم بها القوى الطائفية إيذانا بافتتاح مسرح العرائس الدموي في العراق على إيقاعات مسرحيات دموية جديدة.
أما الموقف الأميركي فقد صرَّحت عنه صحيفة “فايننشال تايمز” بالقول أن الولايات المتحدة وإيران وجدتا قضية مشتركة وتقاربًا نادرًا في المصالح بالعراق أجمع على أن رئيس الوزراء المنتهيَة ولايته نوري المالكي هو الخيار الأصلح لقيادة الحكومة العراقيَّة المقبلَة. وفي هذا الاتجاه باركت الولايات المتحدة لقاء المالكي والرئيس السوري بشار الأسد، الأمر الذي سيتيح مساعدة العراق على “أخذ مكانه مجددا” في المنطقة.
“المستقبل”




















