يشكل أداء بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية نموذجاً ساطعاً لما تبقى من مشروع اليمين الإسرائيلي. فبعد زوال فكرة “إسرائيل الكبرى” بات مشروع اليمين يتمحور اليوم حول هدفين أساسيين: ترسيخ مبدأ “يهودية” الدولة العبرية، والدفاع عن المشروع الاستيطاني اليهودي، وعرقلة قيام دولة فلسطينية مستقلة الى جانب دولة إسرائيل.
إن رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما تمديد تجميد البناء لمدة شهرين آخرين، الى جانب رفضه تدخل الأمم المتحدة في تعيين الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، والحملة المستمرة على رئاسة السلطة الفلسطينية والتشكيك الدائم بقدرتها على التوصل الى تسوية مقبولة من كل الأفرقاء الفلسطينيين؛ كل ذلك وغيره ذرائع يستخدمها نتنياهو واليمين الإسرائيلي لعرقلة أي حظوظ في التوصل الى اتفاق قريب مع الفلسطينيين، والتهرب من الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على الحكومة الإسرائيلية، وانتظار أن يؤدي خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية القريبة، الى التخفيف من ضغط أوباما من أجل تحقيق حل الدولتين.
كل ذلك يقود بداهة الى التساؤل ما إذا كان اليمين في إسرائيل يرغب فعلاً في تسوية سلمية مع الفلسطينيين، أم أنه وفقاً لما كتبه نبيل شعث في “هآرتس” يريد أن يكسب الوقت لمواصلة العمل على توسيع المستوطنات؟
ثمة انقسام شكلي داخل الليكود أكبر أحزاب اليمين، بين الصقور الذين يرفضون علناً إخلاء أي مستوطنة يهودية في الضفة الغربية، ويعلنون صراحة رفضهم حل الدولتين، والمعتدلين في الليكود من أمثال نتنياهو الذين يستخدمون لغة مزدوجة فيتحدثون علناً عن تأييدهم حل الدولتين، ويعملون في الواقع على إحباطه. لكن الواقع أن هذا الحزب لا يملك رؤية سياسية واضحة لحل النزاع مع الفلسطينيين. وذلك على عكس حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي لا يتردد في طرح خطته للتسوية مع الفلسطينيين القائمة على مبدأ تبادل الأراضي، وتبادل السكان بين إسرائيل والفلسطينيين، بصورة تضمن “نقاء” الدولة اليهودية، وتؤمن مصالحها الأمنية في المدى البعيد.
والراهن اليوم أن الليكود بزعامته الحالية، ليس مقتنعاً بأن الظروف الحالية مؤاتية للتوصل الى تسوية مع الفلسطينيين، والأهم أنه غير مستعد للقيام بالخطوة التي لا مفر منها أي الاعلان عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وتفكيك المستوطنات المعزولة. وأبرز دليل على ذلك أن نتنياهو بدلاً من تحضير الرأي العام الإسرائيلي لفكرة اجلاء المستوطنين، والبدء بالتفكير بترسيم حدود الدولة، وبتقسيم القدس؛ نراه يعطي الأذونات لمواصلة أعمال البناء في القدس، ويغازل اليمين المتشدد بتعديل الدستور وفرض قانون الولاء ليهودية دولة إسرائيل.
بالنسبة لليمين المتشدد، لا مجال لتقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية، وهو يعرف بأنه ليس لدى السلطة الفلسطينية وسيلة للضغط غير التأييد الدولي لقيام دولة فلسطينية، والإلتزام الأميركي بحل الدولتين. ولإسرائيل باع طويل في مواجهة أي تحرك دولي في اتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حال فشلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. يذكر المعلق السياسي في “هآرتس” أن إيهود باراك حذّر نتنياهو من أن أوباما مصرّ على قيام دولة فلسطينية، وسيؤيد اعتراف مجلس الأمن بالدولة فلسطينية، وهو لن يستخدم حق الفيتو ضد صدور قرار من هذا النوع.
يستعد اليمين في إسرائيل لمثل هذه الإمكانية معتمداً بصورة خاصة على فوز الجمهوريين في الإنتخابات النصفية للكونغرس، ففي رأيه أن هؤلاء لا بد أن يضغطوا بشدة على أوباما لممارسة حق الفيتو ضد أي اعتراف بالدولة الفلسطينية. ويهدد هذا اليمين في حال ازدادت الضغوط الدولية عليه بالويل والثبور.
أمام هذا الواقع، يجد المفاوضون الفلسطينيون أنفسهم في وضع محرج للغاية، فإذا نفذوا تهديداتهم وانسحبوا من المفاوضات فهم سيغضبون إدارة اوباما، وسيظهرون امام العالم كرافضين للسلام، وإذا وافقوا على مواصلة أعمال البناء في المستوطنات فإنهم سيجدون أنفسهم مضطرين لتقديم تنازلات لا تنتهي من دون أي مقابل حقيقي، فيما المسؤول الأول والأخير عن المأزق الذي وصلت اليه المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية هو اليمين في إسرائيل، وعليه وحده تقع مسوؤلية ما يترتب عن ذلك.
“النهار”




















