الازمة العالمية التي بدأت مصرفية مالية، توسعت وتعمقت لتصبح ازمة اقتصادية تتمثل في تفشي الانكماش في جميع البلدان الصناعية المتقدمة، وفي تسرب مفاعيله بسرعة الى البلدان النامية.
فالأزمة المالية المصرفية التي تحولت ازمة انكماش يقرب من الكساد تبرز خلالها ممارسات كانت من أسباب حصولها وتوسعها. فشركة AIG المختصة بالتأمين وجدت في ضمان القروض المنزلية مجالاً للربح فالتزمت ضمان نحو 500 مليار دولار من سندات ديون القروض العقارية، وتالياً واجهت خسائر التهمت رأس مالها مما أوجب على السلطات الاميركية توفير دعم لها على مستوى 150 مليار دولار، وحتى تاريخه ليس ثابتاً ان تكون الشركة قد أُنقذت وبالتأكيد لن تكون على الحجم الذي كانت عليه، بل ان استمرارها سيعلق على حصر نشاطاها في جزء من اعمالها، الامر الذي يعني ان حجمها المالي سيكون على مستوى 30 في المئة مما كان قبل سنة.
مثال اخر على مؤسسة ساهمت في التمهيد لنشوب الازمة والبرهان على عقم نشاطات مؤسسات الرقابة أو انعدامها هي شركة برنارد مادوف لإدارة الاموال. فهذا الرجل الذي يبدو انه بدد 52 مليار دولار من أموال المستثمرين، استطاع ان يفعل ذلك خلال السنين العشر المنصرمة، وبعدما كان رئيسا لسوق "ناسداك"، أي ثانية اكبر سوق للأسهم في نيويورك، وكان أيضاً عضواً في لجنة صياغة اخلاق المهنة في الهيئة المشرفة على سوق نيويورك.
وبحسب المعلقين الاميركيين، ان انهيار شركة مادوف سيصيب غالبية الصناديق الخيرية الصهيونية واليهودية بخسائر كبيرة، كما سيصيب مستثمرين افراداً مثل المنتج السينمائي ستيفن سبيلبرغ بخسائر تفوق مئات الملايين من الدولارات. ويضيف المعلقون الاميركيون ان قدرة الصناديق اليهودية والصهيونية على توفير المعونات لإسرائيل ستنخفض. ومعلوم ان هذه التقديمات تعفى من الضريبة، ولهذا السبب يرى هؤلاء المعلقون ان الخسارة التي اصابت زبائن مادوف قد توازي حجم الضرائب التي تهربوا منها من خلال تقديم المنح لإسرائيل. كذلك يرون ان قدرة المنظمات الصهيونية على التأثير في الكونغرس ومجلس الشيوخ ستصبح أقل، وتالياً قد يكون التوجه نحو حل سلمي في الشرق الاوسط اسهل من السابق.
على الصعيد ذاته، يرى المراقبون ان انخفاض أسعار النفط سيوثر على قدرة ايران على تمويل المنظمات الثورية في المنطقة مما يزيد حظوظ التهدئة. والواقع ان ايران تتأثر بانخفاض اسعار النفط، لكنها في الوقت ذاته ستفيد من انخفاض اسعار المشتقات النفطية التي تستوردها. والواقع الاجمالي سيكون تقليص موارد الدولة، وربما أثر ذلك على الانتخابات الرئاسية التي تقرر اجراؤها في حزيران المقبل.
لقد تسببت الازمة الاقتصادية الدولية بانخفاض اسعار النفط بسرعة قياسية، من 147 دولاراً البرميل في 15 تشرين الاول الى 40 دولاراً البرميل مع حلول عيد الميلاد. هذا الانخفاض سيؤدي الى تقلص مداخيل الدول العربية النفطية وانحسار فرص العمل وتأخير تنفيذ المشاريع الانشائية، وسيحتم مراجعة اسس الموازنات والتوقعات المستقبلية، كما سيؤدي الى البحث في العمق عن وسائل تحديد سعر النفط ضمن هوامش مقبولة، أي 60 الى 70 دولاراً البرميل، وهذا الامر يحتاج الى توافق دول "أوبيك" مع منتجين رئيسيين آخرين كروسيا ونروج والمكسيك وحتى كندا. وعلى أي حال، لو انخفض الطلب على النفط عالمياً بنسبة 10 في المئة، فان السعر الحالي (نحو 40 دولاراً) لا يمكن ان يستمر طويلاً لأنه دون كلفة انتاج الخامات المكلفة في بحر الشمال والولايات المتحدة وروسيا، وكلفة انتاج البدائل القابلة للتطوير بسرعة، وأهمها وأوفرها مقداراً، الغاز المتوافر من صخور الطفال في الولايات المتحدة وكندا، اذ ان كلفة انتاج ما يوازي طاقة برميل نفط تبلغ 70 دولاراً على الاقل.
لقد اظهرت الازمة الدولية بوضوح ان الثقة بالمؤسسات المالية والمصرفية الاميركية كانت في غير موضعها، وان الثقة بشركات التوظيف المالي كانت مفرطة في الغباوة، وان اعتماد مقاييس الملاءة والسلامة التي توفرها شركات التصنيف لم تكن سوى سراب غارق في التمويه.
وما يصح بالنسبة الى المؤسسات المصرفية الاميركية وشركات ادارة الاموال يصح أيضاً بالنسبة الى المصارف السويسرية التي استحوذت على عدد من شركات الاعمال ومصارفها وسيطرت على موارد مالية ائتمانية تفوق الـ 1500 مليار دولار، علما بان احداً لا يعرف مدى خسائر زبائن المصارف السويسرية المعنية. وكل ما نعرفه ان مصرفي الـ UBS و الـ Crédit Suisse خسرا 200 مليار دولار من حساباتهما الرأسمالية، فماذا تكون خسارة الزبائن المتعاقدين لادارة اموالهم مع هذين المصرفين وغيرهما في سويسرا؟ الله وحده يعلم. لكن الواضح ان المحافظة على المال والثروة، أو ما تبقى منهما، تفرض على اصحاب الحقوق الابتعاد عن الاسواق الاميركية وعن خدمات المصارف السويسرية.
والمنهج البديل للمواطنين العرب وللصناديق السيادية العربية كان واضحاً منذ سنوات، لكنه لم يتطور كما ينبغي.
فمصلحة البلدان العربية الاكيدة هي في توسيع مبادلاتها التجارية وتكثيف السياحة البينية، وانشاء المشاريع الاستثمارية المشتركة على نطاق واسع، وانجاز مشاريع بنية تحتية مشتركة كشبكات الكهرباء والغاز والمياه والنقل البري والبحري بين الدول العربية.
ان الازمة المالية المصرفية العالمية ستستهلك من الثروات العربية ما لا يقل عن 300 مليار دولار. ولو كانت الاقتصادات العربية متكاملة ومتفاعلة، لكنا تجاوزنا هذه الخسارة وحققنا استفادة كبرى حتى من انخفاض اسعار النفط. فعالم عربي متكامل يعج بالصناعات والخدمات يمكن ان يستفيد من ميزة على صعيد التكاليف من توافر النفط.
فأسواقنا المالية، على صغر حجمها، كانت تسير بحسب أصول تقرب من مستوجبات العمل المنتظم أكثر بكثير من سوق نيويورك وممارسات المصارف السويسرية.
وكانت مصارفنا بالفعل بعيدة عن الطيش والاخفاء، وهي قادرة على الاضطلاع بدور كبير في تمويل التكامل العربي وتنشيط المبادلات بين الدول العربية بما فيها دول شمال افريقيا.
ولا شك في ان الاستفاقة على ضرورة التعاون الاقتصادي والمالي العربي موجعة. ومن المحزن ان تكون الاستفاقة نتيجة تحمل خسائر كبيرة بسبب الاعتماد على المؤسسات الغربية التي سوقت صورة عن ادائها وأنظمتها مخالفة تماماً للواقع المرير والجرمي الذي يظهر يوماً بعد يوم.
ان الانفتاح التبادلي والاستثماري ضروري للمحافظة على مستويات الحياة والانجاز في البلدان العربية وغيرها. ومع تأكيد توسيع التعاون العربي – العربي وتوطيده وتطويره، لا بد من استمرار التعاون وربما توسيعه مع بلدان اخرى كالصين وروسيا واليابان، اضافة الى البلدان الاوروبية الرئيسية التي عانت ممارسات الاميركيين والسويسريين كما عانينا، وربما خسرت مبالغ تفوق الخسائر العربية، لكن حجم الاقتصادات الاوروبية اكبر بكثير من حجم اقتصاداتنا.
وحتى تاريخه لم نشهد مسعى عربياً مشتركاً لتفحص آفاق التكامل وفرصه، ودرس امكان تعجيل كل هذه الخطوات، بل نرى الانشغال بتتبع تأثيرات الازمة العالمية ومحاولة الحد من انتشارها في العالم العربي، وهذه النتيجة لن تتحقق ما لم نوسع تعاملنا ونكثف استثماراتنا ونوثّق ثقة المواطن العربي بكل اقتصاد عربي.
"النهار"




















