لم تجد جواري شجر الدر ما يشفي غليلهن الا القباقيب، فانهلن بها على رأس سيدتهن مما ادى الى وفاتها. وللعواصم العربية حكايات مع النعال والخفاف فكان في كل سوق منها مكان مخصص لصانعي الاحذية يدعى سوق الاساكفة. وكان صانعو الاحذية من ضمن الصنّاع والحرفيين الذين يخضعون لرئيس هو شيخ الحرفة يصار الى انتخابه من العاملين في الصنعة في يوم محدد. فقد دعا مجلس بلدية بيروت الحرفيين الى انتخاب شيوخ لحرفهم وعين موعد الانتخاب بين الرابع من ايار والعشرين من حزيران سنة 1881م على فترتين صباحية (قبل الظهر) ومسائية (بعده) وكان صباح الاثنين في 18 حزيران موعدا للصراماتية.
وكان مصلحو الاحذية يتجولون في الدروب والمحلات ينادون: مصلح لستيك. وكان منهم من يقوم بتصليح الاحذية في دكانه حتى وصف بيت الاسكاف بأن "فيه من كل جلد رقعة ومن كل أدم قطعة".
ودخل الاساكفة في امثال العامة وحكاياتهم ونوادرهم: فقالوا: لسانه مثل مقص السكافي: وشايف حاله مثل صرماية العيد. ولا لحمه بيتاكل ولا جلده بتسكف فيه. ومن الحكايات الشعبية: الحذاء مع الجنيين الصغيرين، وكندرة سندريلا، ومعروف الاسكاف.
ولحقت شهرة الاسكافي ببعض اعلام الأدب والفقه والشعر. فكان من هؤلاء ابو جعفر محمد بن عبدالله الاسكافي الاديب والشاعر. وابو القاسم علي بن محمد الاسكافي النيسابوري الكاتب المدرس البليغ وكان منهم ابو بكر احمد بن عمرو الشيباني البغدادي الفقيه المحدث الزاهد الورع، لقب بالخصاف لأنه كان يخصف نعال الحجاج في منهى. وتفنن البعض في تذهيب الخفاف والكتابة عليها. فقد كتبت جارية على خفها:
تؤلمه الألحاظ لما بدا
محتجباً عن لحظات العباد
منزله ناء ولكنه
يسكن مني في سواد الفؤاد
ومثلما اشتهر مداس ابو القاسم الطنبوري وكندرة سندريلا قديماً، اشتهرت كندرة الممثلة سارينا. التي كانت تغني وتمثل في مقهى عصور (السور – ساحة رياض الصلح) اوائل القرن العشرين. فقد كانت تغني آه يا ولد حسنك سباني، وكانت تلبس الطربوش ممثلة دور الولد، وكانت اختها سارة تمثل دور العاشقة للولد. وكانت عندما تلمس خدود الولد، يهتاج النظارة ويرمون المجيديات والليرات. وكان واحد من هؤلاء يقف على المسرح ويرجو سارينا كي تدوس يديه بكندرتها، فكانت تتقدم وتتأخر وتلمس برأس كندرتها اصابعه، فيدور هو صوب المتفرجين ويلمس اصابعه ويمثل دور من اخذه الحال.
ومن الدروس التي اعتمدت على حذاء، واحدة رواها الاديب الشاعر رفيق المعلوف بأسلوبه الشيق الراقي ونشرها في صحيفة "النهار" سنة 1997م، كما حكتها له افلين ابنة جرجس تويني وزوجة جبران بسترس. قالت ان اباها كان حريصا على ان تجمع ابنته بين الثقافة العربية الشرقية والثقافة الاوروبية، فكلف شيخاً من آل طبارة كي يعلمها الشعر والموشحات ويقوّم لسانها بالفصيح من لغة العرب وآي الذكر الحكيم، وذلك الى جانب كاهن يتلو عليها الاناشيد
فوجئت افلين ذات صباح برجل يرتدي عباءة رثة وينتعل حذاء موحلا مرقعاً، يرن جرس باب القصر في الاشرفية (القصر الذي اصبح مقرا لوزارة الخارجية اللبنانية اليوم) ويعرف عن نفسه أنه احمد سليمان فقيه ويسأل عن جرجس تويني صاحب القصر. فلم تجد الا ان قالت له: "الله يعطيك".
توجه الرجل الى دكان جرجس في الميناء يعلمه بما حصل معه وبتعذر تفريغ حمولة الجمال من البضائع في مستودع القصر. وبعد أن انهى جرجس بعض المعاملات اصطحب احمد الى القصر. وعند وصولهما خلع احمد حذاءه عند الباب ثم توجها الى غرفة الطعام. وما ان تحلق الجميع حول المائدة حتى طلب جرجس من احمد جلب حذائه وعندما احضره تناوله جرجس ووضعه على طاولة قرب المائدة وقال لابنته: يا بنتي كثيرون هم المتسولون الذين يلبسون الثياب الفاخرة وقطاع الطرق الذين يجلسون على ارائك الحكام، اما امثال صاحب هذا الحذاء الموحل المرقع فهم مصدر الطعام والغذاء.
وقد اعتبر الحذاء وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس والاحتجاج على حالة معينة او موقف محدد. يذكر ان الامام اللغوي ابن دريد نظم المقصورة الشهيرة وقال فيها:
والناس الف منهم كواحد
وواحد كالألف ان امر عني
فعارضها محمد بن عبد الواحد الشاعر المعروف بصريع الدلاء بمقصورة قال فيها:
من لم يرد ان تنتقب نعاله
يحملها بكفه اذا مشى
ومن اراد أن يصون رجله
فلبسها خير له من الحفا
ومن صفع الناس ولم يدعهم
ان يصفعوه فعليهم اعتدى
وفي وقائع بيروت ايضا ان اسماعيل رامز بك الحسيني العثماني تولى نيابة بيروت (اي رئيس القضاة فيها) بين سنتي 1887 و1895م، فاشتهر بالعدل والاستقامة والعلم. نقل انه كان يذهب الى مركز عمله في سراية بيروت ماشياً، وان احد اولاد الاغنياء التقاه في الطريق فأوقف العربة ودعاه للركوب معه ليوصله الى السراية. فأبى رامز بك وقال للشاب: اذا تعودت أنا ركوب العربات تعودتهم أنتم المشي حفاة. يشير بذلك الى أن الموظف اذا اعتاد الترف، اضطر الى الارتشاء وسلب أموال الناس.
ومن وقائعها ايضاً أن الشاب الانكليزي شارل ووكن، أحد تلامذة المدرسة الكلية (الاميركية) وجد سنة 1878م ميتاً عند شاطئ الروشة. ووجدت ساعته مع أحد الاولاد. ثم عثر على حذائه في بيت أحدهم. وشهد ماسح أحذية الطلاب بأن اللستيك يعود لشارل المذكور.
ويبدو أن بغداد تأبى الا أن يكون لها في كل زمن وقائع تبقى في ذاكرة الايام، يختلف الناس في تبريرها، ويتفقون على دلالتها. فلا تزال عبارة "إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها "ماثلة في الذاكرة. وكذلك لفظة "العلوج" التي استلها وزير الاعلام السابق من غياهب القاموس وأعاد إحياءها. ويذكر ايضاً أن مجلس "المبعوثان" العثماني كان قد خصص جلسة لدراسة وسائل تطوير الاسطول العثماني وتحديثه، فقام بعض النواب يطالبون قبل كل بحث بضرورة قراءة صحيح البخاري في قطع الاسطول، وكان الشاعر جميل صدقي الزهاوي هو مبعوث بغداد في المجلس، فنهض وقال: إن الاسطول يسير بالبخار وليس بالبخاري. فقامت الدنيا عليه واتهم بالكفر والالحاد.
وآخر وقائع بغداد الحديثة، لجوء الصحافي منتظر الزيدي الى قذف فردتي حذائه، الواحد تلو الاخرى، في اتجاه الرئيس الاميركي أثناء مؤتمر صحافي. والقي القبض على الشاب وانقطعت أخباره. ونأمل أن لا يكون التحقيق معه مشابهاً لما جرى مع سليمان الحلبي بعد مقتل قائد عسكر نابوليون في مصر الجنرال كليبر – سيما بعد أن فقد منتظر حذاءه واصبحت قدماه جاهزتين للفلقة – فقد جاء في محاضر التحقيق مع المتهم سليمان: "ضربناه فاعترف".
وحيادية التحقيق مع منتظر مهمة في معرفة الدوافع والاسباب والظروف. وفحص الحذاء قد يساعد كثيراً في جلاء الحقيقة. ويظهر وصف الفعل وما اذا كان قد جرى عمداً او قصداً. فاذا كان الحذاء عتيقاً بالياً، يكون الفاعل قد خطط ودبر ونفذ أي يكون فعله عن سابق تصور وتصميم. أما اذا كان الحذاء جديداً لماعاً، فيكون الفعل إبن ساعته وأتى كرد فعل على ما قد يكون قد سمعه الفاعل من مواقف وتصريحات واستفزازات.
كما سيبنى على ذلك كله ما اذا كان الفعل سينصف في خانة الارهاب – كالعادة – أم في خانة المقاومة، أم مجرد "فشة خلق" كما يلجأ بعض الحجاج أثناء رمي الجمرات في منى على قذف إبليس بأحذيتهم بدل الحجارة.
وثمة ناحية أخرى من التحقيق قد ترجح العمد على القصد تستنتج من اتباع منتظر الفردة الثانية للحذاء بالاولى، ومن معرفة أي الفردتين – اليمنى أم اليسرى – سبقت الاخرى. لما في ذلك من أثر على النتائج وفي تقدير توافر عنصر النية الجرمية.
يروى أن عجوزاً كان يسكن في الطبقة الارضية في أحد البيوت البغدادية المبنية من الخشب، وكان ضابط عثماني يسكن في الطبقة الاولى. كان العجوز يأوي الى فراشه وينام باكراً، فيما يسهر الضابط طيلة الليل ويعود آخره مخموراً، فيخلع فردة جزمته ويقذف بها على أرضية البيت الخشبية، فينتبه العجوز من نومه مذعوراً، وهكذا عندما يخلع الضابط الفردة الثانية. ثم يعود العجوز للنوم. وفي صباح أحد الايام شكا العجوز للضابط ما يعانيه ورجاه بأن يخلع جزمته بهدوء. فوعده الضابط خيراً.
وفي الليلة التالية صعد الضابط الى بيته فخلع فردة جزمته ورماها أرضاً كعادته، ثم تذكر وعده للرجل العجوز، فخلع الفردة الثانية ووضعها على الارض بهدوء. ولكن العجوز كان قد هبّ من نومه مذعوراً وجلس في سريره ينتظر خلع الضابط للفردة الثانية كي ينام.
من الطبيعي أن يختار الانسان من اساليب المقاومة ووسائل إبداء الرأي ما يجده متوافراً بين يديه، (أو في قدميه) ويبدو أن منتظر الزيدي الصحافي وجد أن الكلمة لم تؤدِّ الغرض في تلك اللحظة، فاستعان بحذائه. وقديماً قيل: الحيلة على قدر الوسيلة.
كان الإسكاف معروف سعيداً بمهنته، فالاحذية القديمة والاخفاق البالية تعود من بين يديه جديدة لماعة. وقد كسب ثقة سكان الحي لمهارته وقناعته. وأتى يوم بدا فيه حزيناً وتبين أن السبب يعود الى أن جاره اشترى قرداً، وكان القرد يراقب معروفاً وهو يشحذ شفرته على المسنّ، فإذا ترك معروف دكانه، انسل القرد اليها وأخذ الشفرة وأمعن بالجلد تقطيعاً. ولم تنفع مراجعة معروف لجاره، فأدرك أن القرد يقلده وقرر الانتقام. وشاهد القرد يرصد حركاته، فعمد الى الشفرة وسنها وجعل يسيرها على رقبته كمن يذبح نفسه، ثم غادر الدكان. وانسل القرد وأخذ الشفرة وصار يسيرها حول عنقه مقلداً الإسكاف، وفي كل مرة كانت تفتح جرحاً نازفاً في رقبته، وكاد يهلك. وكان درساً كافياً للقرد ولمعلمه.
ومن حكايات العامة أن أحد باعة الكروش كان يبسط دسته في سوق الدلالين في بيروت (الى الشرق من جامع الامير منصور عساف). وحدث أن تنازع اثنان من المارة قرب موقع وقوف صاحب الدست، وتطور النزاع بينهما الى أن قذف أحدهما خصمه بفردة حذائه. الا أنه أخطأه ووقع الحذاء في الدست. وخاف البائع أن يرفع الحذاء أمام أعين الناس، فأخذ يكبسه في قعر الدست. وصدف مرور أحد الزبائن الذي أراد الشراء وظن أن أحسن كرش هو الذي يحاول البائع إخفاءه في كعب الدست. فعرض شراء الكرش المذكور، وأخذ البائع يتملص ويتغافل فيرفع كرشاً ويقول: خذ هذا، فهو كبير وناضج. ويرفع آخر يقول: خذ هذا سعره مناسب، والزبون يرفض. الى أن أعيت البائع الحيلة فرفع الحذاء وقال: خذ هذا من كعب الدست فهو يليق بك.
وكما اثار في الزمن الماضي فعل خروتشوف عندما خلع حذاءه وأخذ يضرب به منصة الأمم المتحدة من تعليقات، سيثير فعل منتظر الزيدي من تعليقات مختلفة بين مؤيد ومعارض ومنتقد (ومنافق) الى أن تتضح الحقيقة:
اذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
(محام ومؤرخ)
"النهار"




















