يخلط الكثيرون ممن يرون أن الشرعية الدولية هي تكريس لمبدأ الحق والباطل. فليس هناك اليوم خط فاصل بين الصواب والخطأ ولا بين الفضيلة والرذيلة فما تراه أمة على أنه قمة الجور والظلم تراه أمم أخرى على أنه إحقاق للحق والعدل. وليس أدل على ذلك من أحداث غزة والتي ما كان العالم ليسمح بها لولا وجود من يرى صواباً فيها ولو بسيطاً.
وهذا يقودنا لفهم الميكانيكية التي أضحت تسير عالم اليوم. ففي هذا العالم لا يوجد كتاب تحتكم له الدول عند الاختلاف ومن ثم تصبح الشرعية الدولية هي شرعية التوافق والإجماع العالمي. ويصبح ميزان العدل لا صواب القضية لعينها ولذات نفسها وإنما لبروز الإجماع العالمي حولها وميل ميزان القوة لصالحها.
أما وقد قيل هذا فيجب التنبيه إلى أنه وفي عالم اليوم رغم كل ما تمثله القضية الفلسطينية من شرعية أخلاقية ومنطقية عقلانية تجعل من الإسرائيليين المجرمين الحقيقيين في حق شعب اغتصبت أرضه وشرد أهله وقتل أطفاله بغير ذنب إلا أن كل ذلك لم يجعل من الشرعية الدولية تميل بثقلها في صالح الفلسطينيين، ولهذا فالسياسة مسألة معقدة ومتشابكة ولعبة قذرة يصعب على كثير من الناس المغمورين بالعاطفة فهمها.
إن كل صاروخ تطلقه المقاومة الفلسطينية ـ وهي لها الحق الشرعي في الدفاع عن نفسها ـ يحدث أثراً سلبياً معاكساً في دهاليز السياسة العالمية. فيتعدى أثر الصاروخ في الغرب، حيث موازين القوى، بعده التدميري إلى بعده النفسي الذي يقوض من الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية.
ولأن الشرعية الدولية وموازين العدل العالمية ليست مبنية على الموازين التي يتعارف عليها الناس في المجتمعات يصعب علينا فهم لماذا يقف كثير من دول العالم موقف المتفرج على هذه المجزرة الإسرائيلية البشعة.
ويصبح من اليسير علينا فهم لماذا أخفق مجلس الأمن في التصويت على مشروع القرار الذي قدمته الدول العربية بناء على اجتماعها الطارئ وفيه إدانة للعدوان الإسرائيلي ومطالبة بوقف أعمال العنف والحصار وفتح المعابر والسماح بدخول المساعدات الإنسانية.
مشروع القرار الذي قدمته الدول العربية لمجلس الأمن أخفق دون أن يتعرض لحق النقض (الفيتو) و بحجة أنه غير متوازن على حد وصف مندوبي الدول الغربية.
هنا يبرز السؤال الأكبر والأهم حول كيفية تحويل هذه الشرعية الدولية وموازين العدل العالمية لصالحنا،وكيف يمكن الدخول في اللعبة السياسية بمثل الألاعيب التي تقوم بها إسرائيل؟




















