يستحق الشاعر المصري الصديق شعبان يوسف تحية كبيرة للعبء النبيل الذي أناطه بنفسه في الإشراف على إصدار كتاب ‘حارة أمّ الحسيني وقصص أخرى’، للمفكر والمناضل المصري الكبير شهدي عطية الشافعي (1912 ـ 1960)، منشورات المجلس الأعلى للثقافة في مصر. وبقدر ما تحمل ذكرى صاحب العمل من وقائع مأساوية حول المآلات القصوى لانخراط المثقف في التنظيم السياسي، وليس في السياسة وحدها؛ فإنّ العمل ذاته ينطوي على مفاجأة بهيجة، حول انشداد المثقف المسيّس إلى الكتابة الإبداعية.
ولقد صار متفقاً عليه اليوم، كما أخال، أنّ شهدي كان واحداً من أبرز الشخصيات في الحركة الوطنية المصرية الحديثة، كما صنع استشهاده ـ تحت التعذيب، في سجن أبو زعبل ـ أمثولة مبكرة، لم تقتصر دروسها النضالية على رفاقه في التنظيم الشيوعي الذي عُرف باسم ‘حدتو’، الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني، فحسب؛ بل تجاوزتها إلى فصائل وتيارات العمل الوطني المصري، وعبرت الحدود إلى العالم هنا وهناك.
ولقد كانت أمثولة جدلية بحقّ، تليق بماركسي مثقف تخرّج من جامعة أكسفورد البريطانية سنة 1947، ولكنه جهد لكي يبقى ماركسياً ابن بلد، إذا جاز القول، فأفلح في تحصين عقله ضدّ الجمود العقائدي وطغيان النظرية التي تظلّ رمادية مقابل شجرة الحياة الخضراء، بحسب تعبير غوته. ولقد خاض، في هذا السبيل، نضالات من داخل التنظيم لم تكن أثقالها أخفّ وطأة من نضالاته ضدّ الإحتلال الإنكليزي، أو في مواجهة الأجهزة الأمنية لمختلف الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر.
معروف، على سبيل المثال الأول، أنه اختلف مع هنري كورييل (مؤسس ‘حدتو’) حول أولوية أن يكون التنظيم الشيوعي المصري أممياً أم وطنياً، فكتب مقالات تنحاز إلى الصفة الأخيرة، لم يغب عنها التحفظ على الوجود اليهودي في الحركة الشيوعية المصرية، فانتهى به المطاف إلى الإنشقاق عن التنظيم الأمّ، وتشكيل مجموعة ‘حدتو ـ التيار الثوري’. معروف، أيضاً، صفاء تحليله للفارق بين الموقف من سياسات القمع والعسكرة التي اقترنت بالضباط الأحرار وثورة 23 يوليو؛ وبين الصفة الوطنية، بل التقدمية في بعض المستويات الاجتماعية ـ الاقتصادية، لنظام صار معادياً للإمبريالية، متحالفاً مع حركات التحرر الوطنية، مشاركاً في تأسيس حركة عدم الإنحياز، وصديقاً للإتحاد السوفييتي والمعسكر الإشتراكي.
وفي هذا الصدد، لم يكن غريباً أن تنقلب كتابات شهدي إلى أداة في أيدي نشطاء ‘الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي’، خلال حقبة انقسام الحزب بين سنوات 1969 و1975. والمفارقة أنّ تلك الكتابات لم تُوظّف في السجال ضدّ جماعة خالد بكداش، والصفّ التقليدي المحافظ في الحزب عموماً، فحسب؛ بل توجهت أساساً ضدّ ملاحظات ‘العلماء’ السوفييت على مشروع البرنامج السياسي للحزب، مثار الخلاف: كان هؤلاء أقرب إلى تفكير بكداش حول التضحية باستقلالية الحزب الشيوعي المحلي لصالح أمميته، وكانت كتابات شهدي بمثابة حجّة ضدّ الرفاق السوفييت!
ولقد كُتب أدب واسع، سياسي وتاريخي وفكري وإبداعي، في تخليد شخص شهدي، كما يذكر شعبان يوسف في مقدّمته الممتازة؛ فتناولها طاهر عبد الحكيم في ‘الأقدام العارية’، وإلهام سيف النصر في ‘في معتقل أبي زعبل’، وفتحي عبد الفتاح في ‘شيوعيون وناصريون’، وسعد زهران في ‘الأوردي’، والسيد يوسف في ‘مذكرات معتقل سياسي’، وصنع الله إبراهيم في ‘يوميات الواحات’، وفخري لبيب في ‘الشيوعيون وعبد الناصر’، وفوزي حبشي في ‘معتقل لكل العصور’؛ فضلاً عن ‘الجريمة’، الكتاب الجامع الذي حرّره رفعت السعيد وضمّ ملفات اغتيال شهدي. لكنّ الغالبية الساحقة من هذه الكتابات تناولت شخصية الشهيد أساساً، كما اجتذبتها إشكاليات الصدام بين الشيوعيين والسلطة الناصرية، فتراجعت إلى الظلّ كتابات شهدي السياسية، وغابت بصفة شبه تامة كتاباته الإبداعية، وعلى رأسها روايته القصيرة ‘حارة أمّ الحسيني’، والقصتان القصيرتان ‘من الجامعة إلى الوظيفة’ و’جمال رخيص’.
وإذْ لا أخفي إنضوائي ـ دون تردد، لأسباب فكرية وأخلاقية وعاطفية ـ في صفّ المنادين بإحياء ذكرى شهدي بأيّ الوسائل، وكلّها، فإنّ ترحيبي بهذا الكتاب الصغير مردّه ابتهاجي بالقِيَم الفنية الصرفة التي تتحلى بها الكتابة ذاتها، في المحتوى كما في الشكل، وفي تقنيات السرد كما في لغة القصّ، وفي بناء فسيفساء مدهشة من الشخصيات الشعبية كما في تكييفها ـ على نحو ذكي، وخفيّ، وسلس ـ كي تنقلب إلى محمولات اجتماعية رامزة، لكاتب يصعب أن نتخيّله متخففاً تماماً من اشتراطات المدرسة الواقعية، الطبيعية عموماً، ولكن الإشتراكية بمعايير تلك الازمنة أيضاً.
وحين نُشرت ‘حارة أمّ الحسيني’ ـ في جريدة ‘المساء’، مسلسلة على خمس حلقات، في مثل أيامنا هذه سنة 1956 ـ كانت المشهديات التي اقترحها نجيب محفوظ في ‘القاهرة الجديدة’ و’خان الخليلي’ و’زقاق المدق’ و’السراب’ و’بداية ونهاية’، بمثابة مرجعيات جبارة في تصوير الحارة الشعبية. وبهذا فإنّ إحدى أرفع الفضائل الفنية لرواية شهدي أنها، في يقيني، لم ترتدع كثيراً أمام سطوة الحارة المحفوظية، القاهرية، فتنبهت إلى حارة أخرى، إسكندرانية، وسعت إلى التقاط روحها وتشكيلاتها وعماراتها وإيقاعاتها.
لعلها، لولا أنّ الجلاد عاجل الشهيد قبل بلوغه العقد الخامس، كانت ستغتني وترتقي وتتطوّر، فتمنحنا الحارة الشافعية!




















