المستقبل –
لا نعتقد أن أجواء الفرح الخادعة في نهاية العام 2008، يمكن أن تُسقط ذكرى الأزمة العالمية المتمادية. الأزمة المالية والأزمة الاقتصادية معاً، بل أزمة النظام العالمي في تعقيداته وموازين القوى التي تسيطر عليه.
إحتفالات نهاية العام، وبدء العام 2009، لا تخفي وراءها وجود خُمسْ البشرية في حالة فقر وبؤس. ولا تلغي من الواقع الدولي تهديد الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي والأمن البيئي".. وهل سيبقى الأمن السياسي متوفراً والحال هذه؟
إطلالة سريعة على مجريات العام المنصرم تكشف عن التحديات العالمية الآتية.
في شهر كانون الأول/ ديسمبر أكد معظم الخبراء في العالم، بمن فيهم الخبراء الاقتصاديون الأميركيون، ان العام 2008 هو عام الركود المالي والاقتصادي. وأن هذا الركود بدأ بالفعل قبل أشهر، وقد جرى طمس هذه الحقيقة بانتظار فسحة أمل غير واضحة المعالم.
ابتدأ العام 2008 بالخشية من التضخم المالي مع ارتفاع أسعار برميل النفط الى حدود المئة وخمسين دولاراً أميركياً، وانتهى بركود مالي واقتصادي.
البنك الدولي، وقادة عدد من الدول الصناعية، يدعون الى تأسيس نظام مالي عالمي جديد. نظام يتخطى النظام الموروث عن اتفاقية (بريتون وودز) التي أرست قواعد النظام النقدي بعيد الحرب العالمية الثانية.
رئيس البنك الدولي روبرت زوليك يدعو الى (تحديث النظام المتعدّد الطرف لضمان تقاسم المسؤولية عن سلامة الاقتصاد العالمي الحالي، وقيامه بوظائفه على نحو فاعل، بما في ذلك تغيّر المناخ، وتحقيق استقرار الدول الضعيفة، وتلك الخارجة من الصراعات). وانتقد زوليك مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واليابان) التي لا تقوم بها ينبغي لإنقاذ النظام المالي والاقتصادي.. هذا كله يجري بينما يعيش أكثر من مليار نسمة في حالة فقر، وفي دول مفككة أو هي عرضة للانهيار.
بالطبع إن إعادة النظر بوظائف البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تستدعي توافقاً دولياً واسعاً، على الأقل نواتة من الدول الصناعية الكبرى القادرة على التمويل، والتأثير في موازين القوى العالمية. هذا الأمر لم يتحقق في قمة مجموعة العشرين، التي تمثّل الدول الصناعية السبع الكبرى والدول الناشئة والمؤثرة في الاقتصاد العالمي مثل روسيا والصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا وأندونيسيا..
ثمة خطر كبير يلفّ العالم، يتمثّل في انتشار الأزمة الاقتصادية بسرعة، ووصولها الى الدول النامية ذات البنى الضعيفة أصلاً. ومن المتوقع في العام 2009 انتشار البطالة والاضطرابات الاجتماعية مع اتساع دائرة الفقر. في هذه الحال سيكون الأمن الدولي مهدداً بفعل هذه الأزمة أكثر من تأثيرات الحروب المسلحة!
الى اليوم، خسرت أسواق المال العالمية 33 تريليون دولار.. هذا رقم كبير، ويفرض اعتماد خطط إنقاذ سريعة وفاعلة، بعضها غير متوفر الى اليوم. الجميع يتحدث عن الشفافية، والرقابة المالية والإدارية. كيف يتحقق هذا الهدف؟
إن أعمال الرقابة، وتطبيق مبدأ الشفافية في الإدارة المالية العالمية، يفترضان الحدّ من بعض أنماط الليبرالية الجديدة: حرية تدفق رأس المال، إزالة الحواجز الرقابية بين الدول، إطلاق موجة الخصخصة الى آخر مدى بالتزامن مع تحييد دور الدولة في الأسواق والتجارة العالمية… هل هذا ممكن؟
حتى الآن، لم تحقق المؤتمرات الدولية المتواترة منذ أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة اتفاقاً حاسماً بهذا الخصوص. ثمة حذر شديد من تغيير مفاهيم، وتالياً قواعد قانونية، كانت سائدة في ظل الليبرالية الجديدة. وهناك مصالح قومية للدول، أي مصالح الجمهور في كل دولة، تطغى عند كل أزمة. فالغرب ليس موحداً، ولا الشرق، ولا عالم الشمال أو عالم الجنوب.. كل دولة تنأى بنفسها عن الأزمة قدر ما تستطيع، والرهانات العالمية الجماعية لم تصل بعد الى خيارات وقرارات حاسمة. أغلب التوقعات تشير الى استمرار الأزمة في العام 2009، مع ما تحمل من تحديات ومخاطر إضافية.




















