المستقبل
الكتاب: مأساة الحلاج بين ماسينيون والباحثين البغداديين (1908 ـ 1998).
الكاتب: علي الجابري.
الناشر: دار نينوى، دمشق 2008.
يقسم الباحثون عادة حياة العالم الفرنسي لويس ماسينيون، على اختلاف موقفهم منه، الى مراحل أو أطوار ثلاثة: البحث والسعي لتوكيد رسالته، وهي فترة العودة الى الايمان (بغداد 1908)، ومرحلة الفكر والعمل الجامعي (الأطروحة حول الحلاج ودليل العالم الإسلامي)، والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التسامي والخضوع لإملاءات العمر والتحرر مما هو عارض. وإذا كان قد عاد الى كاثوليكيته فبوساطة الإسلام، كما يقول بيار روكالف (ماسينيون والإسلام، دمشق، المعهد الفرنسي، 1993).
يتابع علي الجابري، الأستاذ في الجامعة المستنصرية ببغداد، العلاقة التي ربطت ماسينيون بمدينة السلام وتالياً بباحثيها في أثناء عمله على إعادة بناء مأساة الحسين بن منصور الحلاج (858-922م) أي الإدانة والمحاكمة وردود الفعل ومحاولة تبرئته. وكان قد زارها لأول مرة عام 1907 مرافقاً لإحدى البعثات الأثرية الفرنسية، ومن ثمار ذلك تصويره قبر الحلاج في السنة نفسها.
يبدأ الجابري بموقف الباحث المصري محمود قاسم من ماسينيون، الذي قلل من أهمية محاولة هذا الأخير جعل الحلاج نموذجاً لمأساة التصوف والادعاء بأنه جاء "مبشراً بدين المحبة أو بحكم الله في القلوب" (في محاولة لاعتباره جسراً بين الإسلام والمسيحية)، إذ أن القرمطية أو النزعة الباطنية واضحة عنده برأي قاسم.
بدأ ماسينيون سيرته العلمية في بغداد بحضور دروس العلامة علي علاء الدين الألوسي (قاضي بغداد آنذاك) في مدرسة جامع مرجان عام 1908، ويُقال إنه أسلم على يديه وحمل أسم "عبده" وهو موثق في ختمه لرسائله التي كان يبعثها للألوسي. وأنشأ علاقة مع محمود شكري الألوسي، المهتم بالتاريخ والتراث، وتبادلا الرسائل طوال الأعوام 1911-1923، وجوهر الصلة البحث عن جديد الحلاج ومأساته وقصائده.
أما علاقة ماسينيون بأنستاس الكرملي، فهي على ما يصفها الباحث علاقة صداقة ومشيخة وعقيدة ومنهج، وقد تبادلا الرسائل طوال الأعوام 1908-1939. وقد تابع الكرملي أنشطة ماسينيون في مجلته" لغة العرب"، بدءاً من مؤتمر أثينا للمستشرقين وبحثه عبارة " أنا الحق" ونشره كتاب" الطواسين" في باريس في العام 1912.
التقى جميل صدقي الزهاوي مع ماسينيون فكرياً، بسبب ما في نفسه من شك وقلق وسخرية من التقاليد البالية وإعجابه بروح البحث عن "الحقيقة الحلاجية"، وأتت قصيدته "ثورة في الجحيم" معبرة عن الرؤية الحلاجية التي يفتش عنها ماسينيون في اقتناعات المفكرين العراقيين. في سياق اهتمام الباحثين الغربيين ومنهم هذا الأخير في التعرف الى مكونات الشخصية العراقية، لأهداف معرفية على ذمة الكاتب.
والحال، وعلى اختلاف السبل انعقدت صلة بين ماسينيون والمحامي عباس العزاوي، صاحب العقيدة السلفية ونصير موقف ابن تيمية من الحلاج، تخللها مناظرة في 27/4/1945 في دير الكرمليين، من المفيد عرض خلاصتها:- يعتقد ماسينيون أن الحلاج من أهل التوحيد وداعية للعشق الإلهي، أما العزاوي فيعترض عليه وينسبه الى "وحدة الوجود" بشواهد من كتاب "الطواسين"، مما يفترق به عن أهل العقيدة السوية. -حين يشكك ماسينيون في صحة الأقوال المنسوبة للحلاج والتي أدين بسببها، يقول العزاوي "إن العلماء لم يكونوا ممن يشتبه بهم وإنما استدلوا بالوثائق المعروفة عنه". وحين يشير ماسينيون الى أن التهمة والحكم بالأعدام وضعت لدوافع غير موضوعية، يجيب العزاوي "إن ذم غلاة الصوفية" أمر متفق عليه عند المعتدلين من رجال الصوفية والعقائد والإمامية وأهل السنة في زمانه وبعد زمانه بخلاف ما وقع زمن المغول من شيوع كتب الحلول والاتحاد. وقد اتفق الرجلان على مواصلة الحوار والبحث الذي تم عبر تبادل الرسائل. وقد طالب العزاوي بفحص الآراء والتأكد من نسبتها الى أصحابها وإنجاز عمل تحقيقي كبير يعتمد على مراجعة المؤلفات ومقابلة النصوص لمختلف العصور، فذلك وحده كفيل بالوصول الى تقويم موضوعي لتصوف الحلاج.
وكان لماسينيون تلاميذ تابعوه وصوبوا بعض آرائه وعرضوا ملاحظاتهم الخاصة، منهم ابراهيم السامرائي الذي درس في السوربون خلال الأعوام 1948-1956. وثمة من قرأه بالواسطة وانتقده مثل حسام الدين الألوسي. كما سجل الباحث عزيز عارف عدة ملاحظات على ترجمة ماسينيون لنص الحلاج "الطواسين" الى اللغة الفرنسية، إذ رأى فيه تفاوتاً مع الروح الحلاجية وأيد وجهة نظره بنصوص صوفية موثوقة وردت على لسان الشبلي وأبي الحسن الدينوري والسري السقطي وذي النون المصري.
أما الباحث كامل مصطفى الشيبي، المهتم بالصلة بين التصوف والتشيع، فقد أنصرف هو أيضاً الى تحقيق ديوان الحلاج (1977) مستنداً الى مصادر لم يفطن لها ماسينيون، على الرغم من أن هذا الأخير في عام 1920 كان قد أتم مراجعة 1736 مصنفاً في أكثر من ثماني لغات تتصل كلها بالحلاج وسيرته وآرائه على ما يقول الشيبي نقلاً عن الكرملي في مجلته، وتوقف عند مؤلفات ماسينيون فوجد عنده أحكاماً عاطفية كثيرة، ورآه يتحدث عن "معجزات" لدى الحسين بن منصور الحلاج، وهذه مرهونة بالأنبياء وحدهم. كما واختلف معه في حقيقة موقف الغزالي في "مشكاة الأنوار" من الحلاج. وأخيراً، يبقى الفضل لماسينيون، وكما يقر بذلك الشيبي، في أحياء ذكر الحلاج ونشر ديوانه ونصوصه والإضاءة على مأساته التي ألهمت الكثيرين أدباً وشعراً ورؤى.




















