تظهر القراءة المتأنية لأحداث العام 2008 التي عصفت بمنطقتنا، أن السلام هو الغائب الأكبر، وأن غيابه هو أكثر ما يؤلم الشعوب ويهدد أمنها ويدمر أحلامها المشروعة في الحياة، مع أنه كان حاضراً في مختلف المناسبات الرسمية والخطب السياسية، بوصفه شعاراً للاستهلاك الخطابي في التصريحات الإعلامية والحملات الانتخابية والمساجلات الكلامية. ولم يجر العمل المطلوب في اتجاه تحقيق السلام بوصفه خياراً استراتيجياً يجب أن تلتف حوله كل القوى المؤثرة في المنطقة والعالم، ويسعى إليه كل من يتطلع إلى رخاء اقتصادي واستقرار اجتماعي يحتضن الجميع، وكل من يحلم بالخلاص من الاستبداد ونبذ العنف واستئصال الإرهاب وطي صفحة الحروب إلى غير رجعة. وعليه فإن قراءة أحداث عام 2008 تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط، كانت وما تزال، بؤرة للتوتر ومحوراً رئيسياً من محاور عدم الاستقرار، ويمكن القول بأن الطريق إلى السلام العالمي يبدأ منها وينتهي إليها.
وكان العام 2008 عاماً صعباً على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ارتكبت خلاله العديد من الجرائم والأخطاء والانتهاكات لحقوق الإنسان في منطقتنا، وزادت فيه حدّة الأزمات الداخلية في البلدان العربية، وتعمقت فيه الخلافات بين الأنظمة السياسية العربية، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي أصابت امتداداتها ومفاعليها مختلف البلدان العربية، وباتت تهدد اقتصادياتها، وما زالت تنذر شعوبها الفقيرة بدفع أبهظ الأثمان. كما كانت أحداث عام 2008 الميلادي، مثقلة بالدماء المسفوكة، في فلسطين، وفي العراق، وفي لبنان، وفي السودان، وفي الصومال. ولم تحمل سوى المزيد من حالات التردي والانهيار في عموم الأوضاع العربية، سواء على مستوى النظام العربي أو التعاون العربي، أم على مستوى التنمية، أم على مستوى استحقاقات التغيير الديموقراطي وحقوق الإنسان ووضع المرأة ومسألة الأقليات وغيرها.
وشهدت نهاية العام 2008 بداية العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، الذي يعتبر جريمة جديدة، جاءت بعد فشل عملية التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، وانتهاء ما سمي بالتهدئة، وسلسلة التهديدات التي أطلقها قادة وجنرالات الحرب بالقيام بمحرقة للفلسطينيين، وكأن الحصار والتجويع وسلسلة أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها دولة الاحتلال والاستيطان بحق الشعب الفلسطيني لا تكفي، وبات المطلوب حرق ما تبقى منه. كما جاءت هذه الجريمة في ظل دعم وتأييد الإدارة الأميركية، التي لا تكتفي بالسكوت عن كل جرائم الاحتلال الإسرائيلي، بل تجد لها المبررات والحجج المناسبة، كي تمعن دولة الاحتلال الإسرائيلي في الاستمرار في قتل الفلسطينيين.
أما في العراق فقد شكلت الأحداث فيه مفصلاً حاسماً، أعلن عن اكتمال فشل المشروع الأميركي، وفشل الاحتلال الأميركي كذلك، فحُسم أمر انسحاب القوات الأميركية منه بالرغم من محاولة الإدارة الأميركية الالتفاف عليه بتسريع التوقيع على الاتفاقية الأمنية بهدف شرعنة الاحتلال. لكن الوضع العراقي تكلل في طريقة الوداع التي اختارها الصحفي العراقي للرئيس جورج دبليو بوش، والأمل معقود على الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما لتغيير النهج والسياسة حيال العراق ومعه منطقتنا.
وشهد لبنان أحداثاً دامية ومؤلمة خلال العام 2008، جسدتها الاغتيالات التي لم يكشف أياً من خيوطها، إلى جانب معارك نهر البارد وتداعياتها، وكذلك الأحداث التي كادت تؤدي به إلى دوامة حرب أهلية في السابع من أيار، لكن الاحتكام إلى صوت العقل أفضى هذه المرّة – إلى التوصل إلى "اتفاق الدوحة"، تبعه الإعلان عن إقامة علاقات ديبلوماسية مع سوريا، ففتحت صفحة جديدة بين البلدين. وانعكس ذلك إيجاباً على سوريا من خلال الاختراق الفرنسي والأوروبي لسياسة العزل التي حاولت فرضها الإدارة الأميركية المنصرفة.
وتؤكد الأوضاع الداخلية العربية خلال العام 2008 استمرار الأنظمة السياسية الشمولية في سياساتها، والحفاظ على مكاسب سلطاتها ودوامها، وبالتالي فإنه هذا العام يمثل، في العديد من اتجاهاته، في المنطقة العربية امتداداً لحال انسداد السياسي الذي ترزح فيه البلدان العربية، ويمنعها من التقدم أو من فتح الأفق نحو التقدم، ويضغط على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها إلى الدرجة التي تأخذ تناقضاتها الاجتماعية إلى التعبير عن نفسها في صور من العنف الأهلي تنذر بالانفجار الكلي الواسع، بعد أن جرى شيء منه جزئياً- في بعض من تلك البلدان.
ويبقى أن يتعلم أصحاب القرار في البلدان العربية الدروس من أحداث العام 2008، وأن يدركوا حجم تأثير الخلافات العربية على بلدانهم وشعوبهم، علّهم يستمعوا، ولو لمرّة، إلى أحاسيس الإنسان العربي المثقل بالأزمات والمشكلات والويلات.
المستقبل




















