إنه لأمر غير مسبوق: قبل دقائق من إسناد استضافة الكأس العالمي لكرة القدم لعام 2018 إلى روسيا، وذلك بعد ست محاولات فاشلة لترشيحها، تسببت اللجنة التنفيذية للـ”فيفا” بهزة عنيفة عندما أسندت هذه المهمة إلى إمارة قطر لألعاب 2022؛ فيما المعروف أن قطر إمارة شرق أوسطية، لا تتجاوز مساحتها 11500 كيلومتر مربع، ولا تملك أي ثقافة كروية.
كنا على علم بترشيحين عالقين: ترشيحيّ اسبانيا والبرتغال، وإخفاقهما يعود إلى الشكوك المحيطة بماليتهما العامة. وكنا على علم أيضاً بترشيحي بلجيكا وهولندا اللتين تعيقهما التوترات الأهلية. فيما يصر رئيس “الفيفا”، سيب باتلر، على أن يكون الاختيار مشتركاً بينهما. بقيت روسيا وانكلترا. قبل التصويت، كان يدور همس مفاده بأن تحقيقاً في الصحيفة البريطانية “الساندي تايمز” أدى إلى تعليق عضوية اثنين من اللجنة التنفيذي للـ”فيفا” بتهمة الفساد؛ ما جعلها تمتنع عن إسناد الألعاب إلى انكلترا. فالـ”فيفا” لا تحب أن يتم التحرش بأسرارها.
ومن الممكن أن يكون قد أثّرت على التصويت ضخامة الميزانية للـ”فيفا”، وكذلك ضخامة المخصصات، التي قد تتجاوز قدرات انكلترا. إن الأوراق الرابحة للترشيح الروسي معروفة للجميع: أولاً الإخفاقات المتواصلة السابقة لترشحيها في الماضي، نكهة الانفراد الروسي، وثقل الدولة القوي، مع رئيس وزراء هو فلاديمير بوتين، يتدخل في كل شيء، ويسيطر على الاستثمارات الخاصة والعامة بنفس القدر الذي يسيطر فيه على جهاز الدولة. وعلى بوتين أن يبني ملعبين، وأن يوسّع 14 ملعباً. عليه ان يقوم بعمل كبير… وهو سوف يحضر إلى زوريخ، حيث أعلن عن الإسناد، ليشكر أعضاء اللجنة التنفيذية للـ”فيفا”؛ ما يعني بحسب رئيسها “إننا نثق بروسيا وبقدراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإن كانت بعض التجهيزات قيد الإنشاء الآن”.
أما اختيار قطر للعام 2022 فهو بمثابة انتهاك للفكرة البيئية. ومونديال العام ذاك سيكون كارثياً على صعيد بث ثاني أوكسيد الكاربون. ولمكافحة الحرارة المرتفعة جداً حيث تبلغ الخمسين درجة مئوية أثناء فصل الصيف، تزمع قطر بناء ملاعب مكيفة. وهذا لم يبرد من حماسة أعضاء اللجنة للـ”فيفا” بإسناد الألعاب اليها، ولا يفتر حماستهم التواطؤ بين قطر وإسبانيا، على قاعدة، “أساندك عام 2018، تسانديني عام 2022″، ولا حتى قلّة خبرة قطر في مجال تنظيم الأحداث الكبرى.
وما ساعد على ذلك، عيوب أصابت الترشيحات المنافسة الأخرى بالشلل: استراليا مثلاً؛ وهي فائقة البُعد والاتساع، أضف إلى ذلك فارق التوقيت الذي يعرّض حقوق البث التلفزيونية المباشرة للذوَبان. الولايات المتحدة مثل آخر: وهي منذ زمن بعيد، منذ العام 1994 تحديداً، لم تعُد تشكل الأرض الصالحة للفوز باستثمارات كروية جديدة. أما اليابان وكوريا الجنوبية اللتان سعتا، كل بمفردها، للحصول على الضيافة، فإن العام 2002 كان كارثياً بالنسبة لهما؛ ثم إن اختيار إحداهما من شأنه ان يفشل حظوظ الصين للعام 2026.
قطر إذن وضمانتها بالباطون المسلح، ومباراة محصورة إلى حدّ أن أي مشاهد يمكنه حضور كل المباراة ومتابعة التنافس، والانتباه أخيراً إلى دلالاته الرمزية: فبعد أن أهدت “الفيفا” المونديال إلى افريقيا، ها هي تدل على خطها الجيو سياسي بإسنادها أهم منافسة عالمية للرياضة المعولمة إلى إمارة لا تملك أي تقاليد رياضية. وهو اختيار يستحق وعداً من ولي العهد، الشيخ محمد بن حمد الثاني، الذي قال بأن استضافة قطر للمونديال “سوف يزيل الغبار عن كل الأفكار المسبقة” عن الإمارة وسكانها.
(“ليبراسيون” 3 كانون الأول 2010)
“المستقبل”




















