غريبٌ أن يكونَ رئيسُ العراق من أكرادِه، وهو فخامةُ جلال الطالباني، فيما يطالبُ رئيسُ إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني بحقِّ تقرير المصير لهم، بزعمِ أنَّ «المرحلةَ المقبلة تنسجم» مع ذلك، بحسبِ قوله أمس في مؤتمر للحزب الذي يتزعمه.
ويضاعفُ من الغرابة أننا سمعنا كلاما وفيرا عن وحدة العراق في كلماتِ زعاماته في مؤتمري أربيل وبغداد الشهر الماضي، واللذين عُقدا بمبادرةٍ من البرزاني، وأتاحا التوافقَ على حلِّ أزمةِ الحكومةِ الجديدة، والتي يتعثّرُ تشكيلُها منذ أزيدَ من ثمانيةِ شهورٍ على الانتخاباتِ التشريعيةِ في العراق.
والسؤالُ هنا ما إذا كانت المرحلةُ المقبلةُ في هذا البلد تنسجمُ حقاً مع المطلب المذكور، فيما ظلَّ العراقُ دائماً موحداً على الرغم من الأنواءِ التي أثقلته طويلاً، والاستهدافاتِ التي أتعبتْهُ أكثر.
نتفهّمُ الجروحَ غيرَ الهيّنةِ التي أصابت إخواننا الأكراد في العراق وغيره في سنواتٍ مضت، وندركُ أنَّ الحفاظَ على خصوصياتِهم الثقافيةِ واللغويةِ ينبغي أنْ يبقى من أولوياتِ أهل الحكمِ في كل بلدٍ يضم بين إثنياته أكراداً، ونظنُّ أن العراقيين الأكراد في هذه المرحلةِ يحوزون المساحاتِ السياسيةَ والثقافيةَ واللغويةَ التي يستحقّونها في بلدهم. ولا نجازفُ في التأشيرِ إلى أنَّ حالهم هذا لا يماثلُ ما عليه إخوتهم الأكراد في غيرِ بلدٍ مجاورٍ للعراق.
ويصعب وصف ما قاله البرزاني، وهو زعيمٌ له كل التقدير، إلا بأنّه يميل للخطاب التقسيميٌّ المستهجن، ولا يتسّقُ مع المرحلةِ الراهنةِ ولا المقبلةِ في العراق وغيره. وفي وسعِ إخوتِنا الأكراد، وهم شركاءُ في مسارِ الحضارة العربية والإسلامية وتوسّعها، وينتسبُ إليهم وإلينا كثيرون من أعلامِهم على غير صعيد، أن يكونوا في صدارةِ من يُعيدوا إلى بلدهم العراق، الموحد والقويِّ والناهض، دورَه الطليعيَّ وحضورَه المركزي في المنطقة، وهو ما تراهنُ الأمةُ العربية، سلطاتٍ وشعوباً، على أن يكونَ حقيقةً مؤكدة، لا أمنيةً أو رغبةً موسمية.
المطالباتُ بحقِّ تقريرِ المصير غالبا ما كانت دعواتٍ لتجزئةِ البلدان الموحدّة، ولذلك لا غرابة أن تستقبل هذه الدعوة من السيد مسعود البرزاني بارتيابٍ وتشمُّ فيها رائحة انفصالية، ولا نضربُ بالودع إذا قلنا إنَّ مردودَها سيكون سلبيا جداً على أكراد العراق، قبل غيرهم، ما لا نرضاهُ ولا نتمناهُ لهم، وهم إخوتُنا وأهلنا على مرِّ التاريخ، وسيبقون أهلنا وإخوتنا إلى الأبد.




















