«ماذا تنفع به الديمقراطية 12 مليون مشرد على أرصفة الولايات المتحدة»، هي حجة لطالما استخدمها خصوم واشنطن لتبرير ما يمكن وصفه «استبداد الجماعة» بمقررات الفرد في الاتحاد السوفييتي سابقا والصين راهنا.
لكنه سؤال مهم لجهة الحاجة العصرية الاضطرارية لإعادة صياغة مباني ومعاني المفاهيم السياسية. لغوياً، الديمقراطيّة مجمعة من كلمتين يونانيتين: «ديموس» وتعني عامة الناس، و«قراطيا» وتعني حكم، وبالتالي معناها الحرفي «حكم الشعب لنفسه».
لكن الشعب المكلوم بقدرية الحجم الكبير والقلب الطيب الصغير، لا تسعفه طاقته في تحوير المعاني، الا في حالات نادرة تنفجر عصارة القلب، وينفجر معها المجتمع في وجه نظام الحكم، او في وجه قوى المجتمع نفسه.
لكن المسار العام دائما يترك لنخبة ما ان تضطلع بهذا الدور القيادي في ما خص اشتقاق وتوجيه المفاهيم والخطط والاستراتيجيات، لتختبر مدى نجاعة هذه النخبة بمدى قدرتها على إقناع العامة برؤيتها، ومدى مساهمتها في تحسين حياتهم.
النخبة نفسها هي البارعة في التحوير والتحويل والابداع أيا كان اتجاهه، من هنا ألصقت بالديمقراطية مسميات عدة، من مثل الديمقراطية الليبرالية كما هو الحال في الولايات المتحدة، الديمقراطية الشعبية كما في الصين، وكانت هناك موضة الديمقراطية الاشتراكية التي حاولت عبثا المزج بينهما.
إذن، حتى «الديمقراطية» لم تسلم من الاستهداف المفاهيمي والتجييري، وبالتالي على الإخوة الليبراليين التهدئة قليلا من وضع الديمقراطية في مصاف المسلمات المقدسة، بل إنزالها الى المحك المعيشي وطبيعة المجتمع، لتثمر نظام حكم مناسبا، يرتاح هو ويريح عامة الناس.
عبر قرون التاريخ، كان العامة دائما ينحون نحو الفوضى، ربما بحكم أن الفرد بطبيعته نافر من القيود حتى وإن كانت لمصلحته، وهنا يأتي دور النظام في وضع قواعد ولوائح توجه النزعة الفوضوية نحو الانتاج وخدمة المجتمع، فهل هذا يعد شكلا من أشكال الدكتاتورية؟
فليكن، إن كانت اللوائح والقواعد تحفظ لكل ذي حق حقه، ولا ضير في أن يدفع الفرد أو الفئة ثمنا من حريته أو فوضويته، مقابل الأمن والأمان والاستقرار ومتطلبات الحياة الأساسية.
هنا إذن، لا بد من عودة تمحيصية لمفهوم الديمقراطية: ما الفائدة التي يجنيها مجتمع ما من برلمان يعطل مسيرة تقدم المجتمع وكل خططه ومشاريعه؟ ما الفائدة من ديمقراطية غدت أشبه بصفقات فقط بين طوائف وإثنيات متصارعة؟ ما الفائدة من ديمقراطية أمدت الفرد بحنجرة قوية للصراخ والانتقاد وحتى السباب، ويجافيه النوم بمعدة خاوية؟
هل هي فقط موضة عصرية، أم ضرورة حياتية؟
كما تستنفد الأفكار، تنضب النظم والمفاهيم أيضا، وعلى الأقل لا بد من اعادة تعريف الديمقراطية، إن لم يكن في الإمكان ابتكار غيرها، وتحديدا إضافة مصلحة الشعب، لتصبح الحكم في مصلحة الشعب، فتكون هذه المصلحة هي القاضي الذي يحكم بإدانة أو براءة ممارسة فئة ما من المجتمع أو حكومة.
إن كان البرلمان معيقا لمصلحة الشعب فلا حاجة له، هكذا ببساطة، لأن بديله حاكم عادل يستطيع النوم بطمأنينة ميثولوجية، أو مجلس تجتمع فيه الإرادات المدفوعة بغيرة وطنية و«دماغ مشتعل وقلب بارد».
“البيان”




















