( لواء احتياط، رئيس مجلس الأمن القومي سابقا)
تجري العملية في غزة حتى الآن بصورة ناجحة ومثيرة للإنطباع، ويبدو أن الكثير من دروس حرب لبنان الثانية بطبق بنجاح. لكن هناك موضوع مهم أشك في أنه تم تحسينه: العلاقة بين العملية العسكرية والسياسية. هذا الموضوع له وجهان: تحديد هدف العملية العسكرية، والطريقة التي تدار فيها العملية السياسية.
العبارة الأهم في أي أمر عملاني عسكري هي تحديد الهدف، وهي تجيب عمليا عن السؤال بشأن ما الذي يراد تحقيقه في نهاية العملية. ليس من الضرورة إشراك الجمهور، وبطبيعة الحال العدو أيضا، في الجواب عن هذا السؤال، لكن من غير السليم الشروع بعملية عسكرية، وبشكل أدق إدارتها لفترة ممتدة، من دون أن يدرك صناع القرار هذا الأمر. بل حتى لو كان هناك سجال حول هذا السؤال الأساسي، فإن السجال يجب أن ينتهي بقول واضح، ويعني ذلك أن هدف العملية هو أ وليس ب.
يمكن أن يكون للعملية في غزة هدفان مختلفان يدخلان ضمن الجملة العامة "خلق وضع أمني أفضل". الأول، التوصل إلى اتفاق يمنع إطلاق النار على إسرائيل لسنوات قادمة، والثاني، وهو أكثر تبجحا: تقويض سلطة حماس في غزة.
هذان الهدفان يختلفان عن بعضهما بعضاً وللإجابة بشأن أي منهما تأثير مباشر سواء على طابع العملية العسكرية أو على طابع إدارة العملية السياسية.
إذا اخترنا الهدف الأول فلن يكون مطلوبا احتلال القطاع ولا حتى معظمه. بالإمكان تحقيق هذا الهداف عبر الثمن الذي تدفعه حماس والردع الذي سيتولد في أعقاب ذلك. من الزاوية السياسية لا توجد ضرورة لإطالة الوقت. الضغط الموجود حاليا يتيح التوصل إلى إنهاء العملية وتحقيق الهدف خلال عدة أيام.
وإذا اخترنا الهدف الثاني، فإن العملية البرية المقلصة لن تكون كافية. سيكون مطلوبا توسيعها وتعميقها سواء من حيث المساحة أو الوقت. أما من الزاوية السياسية فسيكون مطلوبا صد أية مبادرة للتوصل إلى تسوية لأن أي اتفاق يعني أن حماس لن تنهار.
الطريقة التي تتم عبرها إدارة العملية السياسية تحتاج إلى تفسير. فهي أكثر تعقيدا بكثير من العملية العسكرية. ففي "الملعب العسكري" هناك لاعبان فقط، إسرائيل وحماس، وهما يلعبان لعبة الخسارة والربح. كل طرف يريد أن يضرب الآخر بأكبر قدر ممكن وأن يتعرض للضرب بأقل قدر ممكن. أما في الساحة السياسية فهناك الكثير من اللاعبين (السلطة الفلسطينية، مصر، السعودية، فرنسا، تركيا، الولايات المتحدة الخ) ولكل منهم مصالح مختلفة بل ومتناقضة. من جهة، ثمة صعوبة أكبر في إيجاد الحالة السياسة المثلى، ومن جهة أخرى، هامش الإمكانات أكبر بكثير.
خلافا للماضي، لا توجد اليوم علاقة كبيرة بين النتائج العسكرية والإنجاز السياسي. كان يمكن أن نعلم قبل العملية ماذا ستكون نتائج الهجوم الجواب الأول لسلاح الجو وتاليا كان يجب أن تبدأ العملية السياسية بموازاة بداية الهجوم على أبعد تقدير، علما أنه يجب إعدادها قبل ذلك بكثير. هذا، على ما يبدو، لم يحصل. الإعداد السياسي ليس الإعلام، وهو لا ينحصر بتصريحات حول كم هي حماس سيئة وكم هي الحرب مبررة.
إن جوهر الإعداد السياسي هو التحديد الواضح للمصالح الإسرائيلية وجدولتها بحسب الأولويات. ما هي المصلحة؟ المصلحة ليست فقط شيئا أنا معني به. إنها شيء مهم إلى درجة أني مستعد لدفع الثمن من أجل إحرازه.
ما هي المصالح الإسرائيلية في غزة؟
يبدو أن لإسرائيل ثلاث مصالح واضحة هي بحسب الترتيب: أولا، ضمان وضع لا يكون فيه إطلاق نار من غزة باتجاه إسرائيل. ثانيا، منع حماس من تهريب السلاح. ثالثا، إعادة غلعاد شاليط.
وما هي التصريحات الإسرائيلية، وبعضها رسمي، التي لا تعكس المصلحة الحقيقية؟ أولا، إعادة أبو مازن إلى الحكم في غزة. ثانيا، إسقاط حكم حماس. الواقع اليوم، لجهة وجود سلطة في غزة ذات طابع دولتي، هو أكثر راحة بالنسبة لإسرائيل من معظم السيناريوات التي يمكن أن تنتج عن انهيار حكم حماس. ثالثا، ضمان بقاء معبر رفح بين مصر وغزة مغلقا. هذه مصلحة مصرية واضحة ينبغي لمصر أن تدفع لقاءها، وهي ليست مصلحة إسرائيلية.
الخلاصة أنه يمكن تحقيق تسوية مستقرة لفترة طويلة تتضمن هدوءا مطولا واتفاقاً ناجحاً فيما يعني الحدود بين مصر وغزة بحيث يتم منع التهريب. كما أنه يمكن تحقيق الهدوء جراء ترميم قدرة الردع وكذلك بفعل حاجة حماس إلى دعم اقتصادي. أما تسوية وضع الحدود بين غزة ومصر فيمكن إنجازها بمساعدة ممارسة الضغط على مصر لإبرام اتفاق أمني آخر يتعلق بمحور "فيلادلفي" مقابل أن توافق إسرائيل على بقاء معبر رفح مغلقا ومواصلة تدفق المواد الحيوية إلى غزة من إسرائيل.
ما هو الثمن؟ الثمن هو اعتراف فعلي بحكم حماس في غزة. سبق أن قلنا، المصلحة هي شيء نحن مستعدون لدفع ثمنه. إلى متى تحكم حماس؟ إلى أن يقرر الفلسطينيون خلاف ذلك.
كلمة أخيرة حول غلعاد شاليط. فهو كما ذكر المصلحة الإسرائيلية الثالثة. يمكن العمل على شمله في الإتفاق لكن في إطار تبادل أسرى مع حماس. وسيكون من الأصح شمله في تسوية شاملة عوضا عن تأجيل موضوعه إلى وقت آخر.
("يديعوت أحرونوت" 8/1/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















