الياس حرفوش
تثبت معركة غزة، كما اثبتت من قبلها حروب اسرائيل على لبنان، ان زمن الحروب العربية مع اسرائيل قد انتهى. والقصد بالحروب العربية هو تلك الحروب التي خاضها العرب مجتمعين، في ظل استراتيجية عسكرية واحدة ولبلوغ هدف واحد.
كانت حرب 1973 هي آخر تلك الحروب، ولأنها كانت كذلك فقد استطاعت استعادة شيء من الارض والكرامة. وظل التاريخ العربي يذكرها باعتبارها تصحيحاً متأخراً، ويتيماً حتى الآن، للكارثة التي حلّت بالعرب وأراضيهم سنة 1967 نتيجة سوء التخطيط والتقدير في دخول الحرب، وبفضل حلول الشعارات والحماسيات الإذاعية مكان القدرات القتالية في مواجهة اسرائيل.
بعد 1973 دخل العرب عصر السلام المنفرد والحروب المنفردة. واذا كان السلام المنفرد استطاع إعادة الارض لكل من مصر والأردن، كما استطاع اعطاء الفلسطينيين فرصة لإعادة سلطتهم، ولو محدودة، الى ارضهم، فإن الحروب المنفردة غالباً ما انتهت الى نتائج كارثية. المقاومة الفلسطينية خاضت منفردة على ارض لبنان حرب 1982، مدعومة كالعادة بكمية لا بأس بها من التظاهرات والشعارات وبيانات التأييد، وانتهى بها الأمر الى الخروج من أهم موقع كانت قد حصلت عليه على حدود المواجهة مع اسرائيل الى تونس والمهاجر الأخرى. ومثلها فعل «حزب الله» في حرب 2006 التي انتهت بالأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الى الاعتراف بأنه لو كان يدرك النتائج التي أدت إليها الحرب على لبنان لما وافق عليها، كما انتهت تلك الحرب بقوات الحزب الى الابتعاد عن الحدود المباشرة للمواجهة. اما الفلسطينيون فقد خاضوا هم ايضاً معاركهم غير المتكافئة، سواء في الانتفاضتين او في المواجهات المتنقلة مع الاسرائيليين في مختلف مناطق الارض المحتلة. ولم تكن المكاسب التي حققوها، لا في السياسة ولا على الارض، بحجم تضحياتهم الكبيرة وأعداد الشهداء الذين سقطوا. وما الحرب الدائرة في غزة الآن سوى دليل جديد على خطر التفرد بقرار الحرب في مواجهة عدو مسلح بأحدث أنواع التكنولوجيا وبدعم ديبلوماسي وسياسي دولي لا يستهان به، وفي مواجهة وضع سياسي عربي واقليمي لم يعد يتفق مع الاستراتيجية والخطط التي تتفرد بها القوى التي تدفع الى هذه الحروب.
يزيد من خطورة هذا التفرد ان القوى التي كانت حركة «حماس» تعتبر انها ستكون معينها الرئيسي في هذه المعركة انكفأت هي ايضاً الى حماية مصالحها وحساب ما يمكن ان توفره نتائج هذه الحرب من فرص لاستثمارها. ونحن لا نتحدث هنا طبعاً عن القوى التي تصنفها الحركة الاسلامية في الصف «المحايد»، بل عن قوى حليفة لـ «حماس»، سواء على الساحة العربية او الاقليمية. فمن اللافت للنظر مثلاً ان قوة بحجم ايران، التي تعتبر الخزان الاساسي لفكر المقاومة الاسلامية وأدبياتها، لم يتردد مرشدها الاعلى آية الله علي خامنئي في مخاطبة الشبان الايرانيين الذين تحمسوا للتطوع والالتحاق بالمقاتلين الفلسطينيين بالقول: «ينبغي ان تنتبهوا الى اننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً في هذا المجال»! وذلك في الوقت الذي كان يتهم دولاً في المنطقة بـ «التخاذل» عن نصرة الفلسطينيين. وكان يمكن اعتبار اعتراف خامنئي بالعجز عن فعل اي شيء في منتهى الواقعية، وكان مطلوباً بالتالي ان ينصت قادة «حماس» إليه بتمعن، لولا انه سبقه قبل بدء المعارك، كلام على لسان خامنئي نفسه، يتحدث عن «واجب جميع المجاهدين والمؤمنين في العالم الاسلامي في الدفاع عن النساء والاطفال العزّل في غزة».
ليس هناك اي خطأ في ان تحسب دول المنطقة خطواتها وان تزن قراراتها بدقة، امام التحولات القادمة، وخصوصاً مع قرب وصول ادارة اميركية جديدة تلمّح الى احتمال فتح اقنية الحوار، بدلاً من سلوك المواجهة، مع النظام الايراني والانظمة والقوى المتحالفة معه في المنطقة. لكن من الخطأ، بل من الجريمة، ان تكون غزة، بأطفالها ونسائها وشيوخها، هي الوقود الضروري لإثبات قدرة هذه الأنظمة والقوى على سلوك درب الواقعية، وإلقاء شعارات الامس جانباً، إذا كان هناك ثمن مناسب مقابل ذلك.




















