من المفترض أن تشكل المحرقة الإسرائيلية الجارية في غزة، والتي تلتهم بشكل خاص الأطفال والنساء والشيوخ، بداية مرحلة جديدة من التعامل مع إسرائيل على كل الصعد، وهذا الكلام ينطبق على العرب قبل غيرهم، لأنهم المعنيون مباشرة بهذه المحرقة غير المسبوقة، حتى ولو أدار بعضهم وجهه عنها، أو ربما انخرط فيها بشكل غير مباشر.
إسرائيل، وهي في الأساس قوة احتلال وعدوان على العرب، كشفت مرة جديدة عن وجهها الدموي القبيح وعن عنصريتها الموثّقة، ووجهت كل ما تملك من آلات القتل والفتك والتدمير والترويع نحو أهل غزة المليون ونصف المليون الذين يتوزعون على مساحة 6220 كيلومتراً مربعاً فقط ـ قطاع غزة الأكثر كثافة سكانية في العالم ـ واضعة في حسبانها إبادة الآلاف وربما أكثر من مواطني القطاع لدواعٍ عدوانية وكيدية وانتقامية وانتخابية في آن معاً.
إذاً، أهل غزة يتعرضون على مدار الساعة ومنذ ستة عشر يوماً، لمذابح إسرائيلية موصوفة ومشهودة ومعلنة على رؤوس الأشهاد، وهؤلاء عرب أقحاح أهمّ ما فيهم اعتزازهم بعروبتهم وبإسلامهم، ومع ذلك ظلوا يذبحون ويحرقون دون أن تمتد يد أشقائهم العرب الآخرين إليهم إلا تحت بند المساعدة الإنسانية للأسف الشديد، والأكثر إيلاماً أن بعضهم تورط أو تواطأ لسفك دماء أشقائه الغزاويين الذين أعياهم الحصار الإسرائيلي على مدى ثلاث سنوات سبقت المحرقة.
ولأن إسرائيل فعلت ما فعلت من قتل وتدمير في غزة، ولأنها كشّرت عن أنياب ربما لم يرها من قبل المتواطئون والمتورطون، أليس من المفترض أن تكون مذابح غزة مناسبة للاعتذار والاستغفار، والعودة إلى الطريق القويم؟ لعل في ذلك ما يغسل بعض الذنوب والعار.
الانتماء والمعتقد والواجب والضمير والجيرة والشرائع تقول: إن العرب، كل العرب ودون أي استثناءات، مطالبون بنصرة أهل غزة، وإن هذا فرض لا بديل منه. أما التسويف والتضليل بما يعنيانه من دعم لإسرائيل القاتلة فلهما حسابات مختلفة لا داعي لذكرها لأن الكل يعرفها.
وهنا لابدّ من التذكير بأن أهل غزة الصامدين الصابرين قاوموا، واستبسلوا، وضحّوا، بما تعجز الكلمات عن وصفه، وسيظلون مفخرة للتاريخ والعرب والمسلمين والشرفاء على امتداد العالم.




















