عبدالله اسكندر
المشاهد لتلك المباريات الكلامية على الفضائيات العربية، رغم ما يُبث من مناظر القتل والدمار في قطاع غزة، يخال ان ما يهم هو "إثبات" صحة الموقف وليس وقف القتل والدمار. وما معنى صحة الموقف اذا لم يحافظ، بالضبط، على حياة الناس وكرامتهم؟ وإلا نقع في منطق اسامة بن لادن الذي ينصح الفلسطينيين "بالشهادة او النصر". سهل ان تُطلق هذه الدعوة من مكان آمن، وسهل ان تستمر المعركة بدماء الفلسطينيين المهجرين في مكان محصور ومقطوع عن الاتصال المباشر بالعالم. لكن الصعب هو رؤية اليوم التالي لمن يبقى على قيد الحياة من الفلسطينيين في القطاع، وما ستكون عليه اوضاعهم، والتقدم الذي احرزته قضيتهم. ولا يقلل من اهمية ضرورة النظر الى اليوم التالي ما اظهره الاحتلال من همجية وحقد على الفلسطينيين وما يقوم به من جرائم ضد الانسانية وحرب الابادة.
ثمة من يدعي ان المجزرة التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون هي الثمن الذي ينبغي دفعه من اجل الصمود. وأي تساؤل عن معنى المقصود بهذا الصمود، خصوصاً في ظل التطورات الفلسطينية الداخلية خلال العامين الماضيين وتمسك "حماس" بفرض شروطها الداخلية على الفلسطينيين والبلدان العربية معا، يُرد عليه بالتخوين والعمالة لاسرائيل. وكأن مناهضة إسرائيل، التي لا تحتاج الى مبررات لقتل الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم، لا تستقيم الا بهدر دمائهم في معارك غير متكافئة، سياسياً وعسكرياً.
واليوم، مع دخول العدوان على غزة اسبوعه الثالث، وتسجيل ما يزيد عن 1100 قتيل وأكثر من 5 آلاف جريح، يتحدث العالم عن صدمة وعن عدد ضحايا لا يمكن احتماله. وماذا عن هؤلاء الاوائل الذين قتلوا في الأيام الأولى، أليسوا بشرا لهم اهل وأبناء وأحباء والحق في الحياة؟ إن ذنبهم انهم في مقدم قائمة، مطلوب ان تكون طويلة لإظهار الصمود وتأكيد الموقف، بغض النظر عن الظروف والعوامل الموضوعية التي تسمح بان تكون عناصر هذا الموقف قابلة للتنفيذ. اما اذا كان الهدف تسجيل موقف سياسي، في المواجهة الداخلية او الضغط على العرب من اجل الانحياز اليه، فإن الخطأ فيه هو ما استجره من ثمن انساني باهظ، حتى لو كانت اسرائيل هي القاتل.
في اي حال، لا تحتاج اسرائيل الى المحرقة التي ترتكبها في القطاع لإظهار عدائها للفلسطينيين، ولا تكفي كل تحركات التضامن وتصريحات التنديد لالتئام جرح طفل فلسطيني. هكذا كانت اسرائيل منذ قيامها، وقبلها في حروب الصهيونية في فلسطين، وظلت كذلك حتى قبل محرقة غزة. ومن يقول اليوم ان العدوان أظهر الوجه الدموي لاسرائيل كمن يقول ان الشمس تشرق كل يوم. فهل هذه البديهية تحتاج الى هذا الثمن؟
اما عن الحصيلة السياسية، فيجب ان تُقاس ليس في الحضور الاعلامي الحالي، وانما بما يمكن ان يحصل عليه الفلسطينيون في سعيهم الى حقوقهم، وايضا بما يمكن ان تحصل عليه "حماس"، كطرف فلسطيني صاحب موقف معين، قياساً بما كان عليه الوضع قبل إنهاء التهدئة، وقياساً على المطالب التي يمكن ان تحصل عليها اسرائيل الساعية الى إشراك المجتمع الدولي (استنادا الى القرار 1860 الذي سيصبح مقبولاً اسرائيلياً بعد وقف النار) في مراقبة حدود غزة والولايات المتحدة في مراقبة الطرق البحرية الى غزة عبر اتفاق ثنائي، قبيل تولي الادارة الجديدة مهماتها.




















