نصير الأسعد
لا يمكن للكلام المتصاعد هذه الأيام عن خلافات وإنقسامات عربية أن يحجب حقيقة أن ليس في الوضع العربي ـ الرسمي ـ اليوم مشروعان عربيان مختلفان متناقضان، وأن ليس من تمحور عربي رسمي حول مشروعين أو أكثر، حيال الصراع العربي ـ الإسرائيلي وعنوانه المركزي القضية الفلسطينية.
محوران ومشروعان عربيان.. "كان زمان"
الإنقسام بين محورَين عربيَين ومشروعين عربيين، ينتمي إلى زمن "غابر جداً". ولعل لا مبالغة في القول إن حركة التمحور على مستوى "النظام العربي" شهدت نهايتها في الثمانينات من القرن الماضي مع تبني القمة العربية التي أعقبت الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 "مشروع السلام العربي" بمبادرة آنذاك من خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وتكرّسَ إنتهاؤها بدخول "النظام العربي" في مؤتمر مدريد خريف العام 1991 تزامناً مع إنتهاء "الحرب الباردة" على الصعيد الدولي… وكانت نهايتها "العملية" في حرب تشرين من العام 1973 التي كانت "الحرب الأخيرة" للنظام العربي مع إسرائيل.
في ذلك الزمان "الغابر جداً" وتحديداً قبل العام 1982، كان يمكن الحديث عن محور عربي لـ"المواجهة" في مقابل محور لـ"الحل السلمي"، أو عن محور عربي لـ"الصمود والتصدي" في مقابل محور "تسووي محافظ"، أو عن محور قريب من الشرق وحليف للإتحاد السوفياتي في مقابل آخر قريب من الغرب وحليف للولايات المتحدة الخ…
في ذلك الزمن "الغابر جداً"، وبالرغم من الإنقسام "الإجمالي" إلى محورين، لم يكن لـ"الإنجاز" الوحيد في حرب تشرين 1973 أن يتحقق لولا التفاهم بين المحورين والتنسيق بينهما، بحيث بقي السؤال مشروعاً حتى اليوم: أي "مواجهة" كانت "أفعل"، العسكرية على الجبهتين المصرية والسورية أم الإقتصادية التي قررها الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز وقادها مع دول الخليج العربي، وتمثلت بقطع النفط عن الغرب للضغط على إسرائيل؟….
في ذلك الزمن، وبالرغم من التمحور، كان يمكن بـ"سهولة" ملاحظة أن أحد المحورين قام أكثر من مرة بـ"إنقاذ" المحور الآخر من ورطاته ومأزقه، بحركته السياسية والدبلوماسية وبقدراته الاقتصادية. و"المنقِذ" كان "محور التسوية والحل السلمي" فيما "المنقَذ" كان "محور المواجهة والصمود والتصدي"…
أما الآن فمشروع واحد
إذاً، إن الحديث المتصاعد هذه الأيام عن إنقسام الوضع العربي ـ الرسمي ـ إلى محورين ومشروعين، يجب ألا يغفل عن حقيقة أن ثمة مشروعاً عربياً واحداً، وأن لـ"النظام العربي" مشروعاً واحداً، يتجسد في المبادرة العربية للسلام التي إنطلقت في قمة بيروت العام 2002 بمبادرة من ولي العهد السعودي يومئذ الملك عبد الله بن عبد العزيز وكرست في قمة الرياض العام 2007.. وحتى قمة دمشق غير مكتملة النصاب السياسي العام 2008 أكدت عليها مجدداً.
لماذا المبادرة العربية للسلام؟
وفي "المناسبة" فان "وراء" المبادرة العربية للسلام خلاصة تجربة عشر سنوات مع "المسارات" التي انطلقت من مؤتمر مدريد. لم "يقف" أي نظام يدّعي "الممانعة" ليقول إن تجربة مفاوضات البحث عن "تسوية" كانت فاشلة، وإن المطلوب عربياً طي هذه الصفحة والعودة إلى "المواجهة". وبهذا المعنى، فإن المبادرة العربية للسلام جاءت لتعلن ان التفاوض العربي مسار واحد موحد، وأن التسوية "المنشودة" غير قابلة لـ"التجزئة" تحقيقاً لسلام "شامل". وهي بذلك تمثل "رداً" على تنافر الأداء العربي وتناقض مساراته منذ مدريد.
وبـ"المناسبة" أيضاً، وإذ ترمي المقدمات الآنفة إلى "التذكير" بأن "النظام العربي" محور واحد ومشروع واحد في مسألة الصراع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، وبأن لا وجود لـ"ممانعة" أو مَن يمانعون، فإن الدول العربية التي لا تعلن نفسها "ممانِعة" كانت طوال العقدين الماضيين على الأقل، الأكثر حرصاً على وحدة المسار العربي والأكثر تمسكاً بمستلزماته، فيما إنخرط النظام السوري "الممانع" غير مرة في مفاوضات سرية تارة وغير مباشرة تارة أخرى مع إسرائيل، وإنخرط في تنظيم إنشقاقات في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تنظيم "حمامات دم" فلسطينية، وفيما إنخرط عدد آخر من الدول المدّعية مساندة "الممانعة" في مسارات التطبيع مع إسرائيل.
أكذوبة "الممانعة" بالدليل
باختصار، ثمة أكذوبة كبيرة إسمُها "الممانعة". أكذوبة أن ثمة محوراً ممانعاً في الوضع العربي أو النظام العربي.
وتزداد الأكذوبة وضوحاً متى طُلب من مدّعي "الممانعة" تقديم البديل. وهنا يعتبر مدّعو "الممانعة" أن البديل هو "سحب" المبادرة العربية للسلام! لكن ما جوابُهم عن سؤال: سحب المبادرة العربية من أجل ماذا؟ لا شيء.
سيكون مفهوماً لو أن "الممانعين" يدعون إلى قمة عربية إستثنائية من أجل أن يكون "سحب" المبادرة العربية مندرجاً في سياق مشروع سياسي آخر. سحبُها من أجل إعلان فتح الجبهات العربية كلها مثلاً.. وهل يفتحونها بعد ثلاثة أسابيع من الحرب الإسرائيلية على غزة وفيما تقترب جبهة غزة نفسها من أن تُغلق؟ سحبُها تمهيداً لطرد أكبر القواعد العسكرية الأميركية عند بعضهم مثلاً.. وهل يأمن هؤلاء على أنظمتهم إذا فعلوا؟ سحبُها من أجل إعلان حرب اقتصادية مثلاً.. وهل ثمة قدرات على الخوض فيها؟
"الممانعة" أكذوبة. والبديل المطروح تحت عنوان "سحب" المبادرة العربية أكذوبة إضافية أخرى. لا شك أن على "النظام العربي" أن يدرس صيغ الضغط السياسي ـ الديبلوماسي لـ"فرض" مبادرته، غير أن المزايدات الممانِعة تخرّب ولا تبني.. وفي التاريخ العربي الحديث أمثلة عن مزايدين تصل "جيوشهم اللفظية" إلى القتال دائماً بعد إنتهاء القتال.
محور "الإختراق الإيراني"
والآن، فإن السؤال هو الآتي: إذا لم يكن ما هو حاصل من خلافات وإنقسامات عربية تعبيراً عن محورَين ومشروعَين فما هو إذاً؟
حقيقة الأمر أن ثمة اختراقاً إيرانياً للوضع العربي، تسعى إيران إلى أن يصل ـ الإختراق ـ إلى مركز القرار العربي.
تستتبع إيران النظام في سوريا. وتعتمد على علاقاتها لشقّ الشرعيات الوطنية في عدد من الدول. لكنها في الوقت نفسه تعتمد على "تخويف" دول أخرى و"ترهيبها" إما لـ"جذبها" أو لـ"تحييدها". وفي "أمكنة" أخرى تهدّد ببعض الأوضاع المذهبية. وكل ذلك في سياق "مشروع إيراني" من بين أهدافه جعل المنطقة العربية برمّتها ملفاً تفاوضياً لإيران أو خطوطاً دفاعية عنها.
والدم الفلسطيني الذي يسيلُ مدراراً في غزة هذه الأيام هو ضحيّة للعدوان الإسرائيلي بطبيعة الحال، لكنه في الوقت نفسه ضحيّة المزايدة على فلسطين والفلسطينيين.
آن للدم الفلسطيني أن يوقف
إذاً، إن ما يشكو منه الوضع العربي أو "النظام العربي" ليس إنقساماً عربياً ـ عربياً، بل هو خلافٌ عربي مع "إختراق إيراني". وموضوعه ليس القضية الفلسطينية، لأن "النظام العربي" هو من سيوقف المذبحة الإسرائيلية. موضوعه رفضٌ عربي لجعل المنطقة "ورقة" إيرانية أو "ملفاً" إيرانياً. وعنوان "سحب" المبادرة العربية فاضحٌ في حد ذاته: سحبُها لـ"تتزعّم" إيران النظام الإقليمي أو لتفاوض وتساوم.. من أجل موقعها ودورها.
آن للدم الفلسطيني أن يتوقف إهدارُه. آن للفلسطينيين جميعاً أن يتوحّدوا ليحفظوا قرارهم المستقلّ. وآن لـ"النظام العربي" أن يقول الأشياء بأسمائها وأن يضع صيغ تفعيل مشروعه "الوحيد".




















