نصير الأسعد
ليس ثمة صعوبة في إعادة إكتشاف حقيقة أن فريق 8 آذار ـ و"حزب الله" تحديداً ـ لم يكن يرغب في الاصل في أن يصل الرئيس ميشال سليمان الى القصر الجمهوري في بعبدا، بل أنه لم يشأ التعاطي معه يوماً بوصفه رئيساً توافقياً للجمهورية.
"الحنين" الى لحود والإطمئنان الى عون
فبالنسبة الى فريق 8 آذار، والى "حزب الله" تحديداً، ثمة "نموذجان" يرتاح اليهما. نموذج إميل لحود رئيساً للجمهورية من جهة. ونموذج ميشال عون حليفاً مارونياً من جهة ثانية.
نموذج اميل لحود لأنه عندما كان قائداً للجيش ثم رئيساً للجمهورية أعطى أمثولة في كيف يكون مسؤول في الدولة موظفاً لدى دولة مجاورة خارج الحدود من ناحية ولدى دولة موازية داخل الحدود من ناحية أخرى. ونموذج ميشال عون كحليف ماروني لأنه أعطى أمثولة في كيف يمحو فريق سياسي ذاته وبيئته والتاريخ في خدمة حليفه فيجعله يستقوي على الدولة وعلى القانون وعلى الديموقراطية في مقابل وعدٍ.. بأن يؤتى به رئيساً للجمهورية، وهو وعد لا يتحقق كي يبقى "الموعود" حاضراً لتقديم المزيد من "الخدمات". وما الهتافات التي أطلقت في أحدى تظاهرات 8 آذار مؤخراً، وبعضها ارتفع من أجل "عودة لحود الرئيس المقاوم"، إلا تعبير عن هذا "الحنين" الى رئيس ينفّذ ما يؤمر به بلا تردد ولا إعتراض.
بطبيعة الحال، إن "الحنين" الى لحود و"زمانه" و"الإطمئنان" الى عون و"ولائه"، لا يكفيان لتفسير الحملة التي يتعرض لها الرئيس سليمان هذه الأيام. وواقع الأمر أن ثمة أسباباً متعددة.
إستباق أي رد فعل على "فشل غزة"
لا شك أن في غزة فشلاً في مواجهة العدوان الإسرائيلي. فشل "سياسي" أتاح للعدوان الإسرائيلي أن يندلع أصلاً. وفشل "سياسي" أيضاً في إنهاء العدوان بخسائر أقل. فشل "سياسي" لأنه لا يمكن الحديث عن نصر "عسكري". وبهذا المعنى، فإن تصاعد "نبرة" 8 آذار و"حزب الله" تحديداً حيال رئيس الجمهورية كما إزاء فريق14 آذار، إنما يؤشر ـ أي تصاعد "النبرة" ـ الى محاولة إستباقية للتغطية على الفشل، بما هو فشل لـ"نموذج متقاطع" بين لبنان وغزة، وبما هو فشل لمحور سياسي إقليمي بين لبنان وغزة. ذلك أن المحور الإقليمي ـ السوري والإيراني ـ وفريقه في لبنان يسعيان الى إستباق رد الفعل على هذا الفشل. وأيُ رد فعل "منطقي" على الفشل لا بد أن "يثير" مسألة "المقاومة المسلحة" في فلسطين ولبنان ونتائجها، وأن يطرح إشكالية العلاقة المأزومة بين "المقاومة" هنا وهناك وبين الشرعيات الوطنية. أي أن أيّ رد فعل "منطقي" لا بد أن يطرح تقويم الحصيلة بين "نصر ملتبس" في لبنان 2006 وفشل لا إلتباس فيه في غزة حالياً.
إذاً، إن الحملة على رئيس الجمهورية إنما تحصل في سياق محاولة إستباقية للتغطية على الفشل في غزة. و"في" الفشل في غزة أن العدوان الإسرائيلي لم يواجه من جبهات أخرى، أي أن "جبهات الممانعة" الإقليمية لم تُفتح إلا إعلامياً وللمزايدة بدماء غزة. وليس مستغرباً أن فريق 8 آذار، و"حزب الله" تحديداً، يهرب من الإشادة بالمعادلة التي واكب لبنان بها المرحلة السابقة، معادلة الإنحياز السياسي الى فلسطين والحياد العسكري في الحرب، نحو حملة على الرئيس وعلى 14 آذار معاً، لأنه لا يريد الإعتراف بما أسفرت عنه تجربة غزة سياسياً.
"إجتماع الدوحة" تأكيد للفشل
وفي الحملة على رئيس الجمهورية سبب آخر يتصل بالسبب الذي سبقه.
ليس صدفةً أن الدعوة الى قمة طارئة في قطر تأخرت ثلاثة أسابيع. وليس صدفةً أن يصرّ المشتركون في الدعوة على عقد إجتماع بالرغم من عدم إكتمال نصاب القمة، في اليوم الواحد والعشرين للعدوان على غزة. ليس صدفةً لأن "محور الإختراق الإيراني" في الوضع العربي، يريد التغطية على الفشل. ومن أجل التغطية على الفشل لا مانع لدى هذا المحور من أن يقسّم الوضع العربي ولو من غير مشروع سياسي بديل، وبمزايدات، كما لا مانع لديه من تحويل الصراع العربي ـ الإسرائيلي الى مجرد "ملف" تتفاوض إيران بشأنه مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. ولكم كانت "الصورة" في الدوحة أول من أمس معبّرة: الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد هو "النجم".. ويرفع "شارة النصر"، لا لأن ثمة إنتصاراً في غزة بل لأن إيران نجحت في خطف "عدد" من الدول العربية!
سليمان التوافقي لبنانياً وعربياً
وبهذا المعنى، فان فريق 8 آذار، و"حزب الله" تحديداً، غير مسرور لذهاب الرئيس سليمان الى الدوحة لأنه غير مسرور مما قاله هناك. فالرئيس سليمان، التوافقي، التزم في لبنان أمرين. أولهما أن لبنان ـ بموجب ميثاقه الوطني ـ لا يمكن أن يكون جزءاً من محور عربي ضد آخر لأن لا مصلحة له إلا بالتضامن العربي. وثانيهما أن لبنان ـ وبموجب ميثاقه الوطني أيضاً ـ متضامن مع القضية الفلسطينية بقدر إمكاناته، وهذا ما قام به طيلة الأسابيع المنصرمة. ذهب الرئيس الى الدوحة إذاً، الى "مكان إنشقاقي" لكن ليقول موقفاً توافقياً. والحملة عليه هي في آن حملة ضد الرئيس التوافقي لبنانياً وضد الرئيس التوافقي عربياً.
وعلى ما يبدو، فان فريق 8 آذار، و"حزب الله" تحديداً، كان يريد أن يحسم الرئيس سليمان عضوية لبنان في "محور الإختراق الإيراني" وولاءه لهذا المحور. أي أن يحسم رئيس كل لبنان لصالح خيار بعض لبنان وبالضدّ من مبرّر وجود لبنان نفسه. أي أن يسلّم الرئيس لبنان ورقةً إلى ذلك المحور.
نظرية "التعويض" في لبنان!
وعلى ما يبدو، فان فريق 8 آذار، و"حزب الله" تحديداً، كان يسعى الى الآتي: الى إستباق الفشل وتغطيته من جهة والى انتزاع لبنان من ثوابته من جهة أخرى. وذلك في إطار خطة لم تعد سرية وهادفة الى الإستيلاء على السلطة بالترهيب والقوة. وقد "إنتعشت" في الكواليس في الآونة الأخيرة "فكرة" تحت مسمى "التعويض"، أي تعويض غزة في لبنان! و"القيمة" الوحيدة لهذه "الفكرة" أنها تتعامل مع "حماس" في غزة بكونها "سلطة" ينبغي تعويض خسارتها بـ"سلطة" أخرى في لبنان، وليس بوصف "حماس" مقاومة" لأن فريق 8 آذار يعرف على ما يبدو أن لا تعويضات في هذا المجال.
ترهيب الرئيس أو إسقاط الرئاسة
تأسيساً على ما تقدم، وحيث لا مفرّ من الإعتراف بأن الحملة على رئيس الجمهورية تشكّل معطى سياسياً جديداً، لا مبالغة في القول إن هذه الحملة تقع بين حد أدنى هو "ترهيب" الرئيس لـ"إخضاعه" و"تمييله"، وحد أقصى هو إستهداف الرئيس وإسقاط الرئاسة لمصلحة "سلطة" بديلة. وهذا ما يعني أن 8 آذار، و"حزب الله" تحديداً، لا يزال يعتقد أن في وسعه إخضاع البلد لإنقلاب مسلّح ولإختبار قوة جديدّ!
""




















