عمان- من عمر عساف:
جعلت التطورات المتسارعة في ملف الحرب الإسرائيلية على غزة واستمرار أمد الحرب (على الأقل حتى مساء السبت) الموقف الأردني الرسمي يدخل مرحلة حرجة على الصعيدين الداخلي والخارجي. فهذا البلد المكبل بمعاهدة سلام منذ 14 عاماً باتت غير مجدية ولم تحقق له الأهداف العليا التي يبتغيها حتى الآن، وجد نفسه مع تعاظم العدوان الإسرائيلي وارتفاع الخسائر البشرية وخصوصاً بين المدنيين أطفالاً ونساء وشيوخاً، أمام تعاظم الغضب الشعبي الذي صار يطالب بمواقف عملية "بمستوى العدوان".
ومما زاد هذا الضغط فوضى القمم المتتالية التي لزمت عمان الصمت حيالها حتى الآن، وكأن الأمر لا يعنيها، على رغم أنها مطلة على المشهد بكل تفاصيله.
وكان لنتائج قمة الدوحة، التي غاب عنها من دون أن يبدي عذراً، وخصوصاً إعلان قطر وموريتانيا "تجميد" علاقاتهما مع إسرائيل، اثر كبير في زيادة حرج موقفه الذي بات غامضاً، وإن لم يتهمه أحد حتى الآن بما اتهمت به مصر، التي اضطرت امس، على لسان الرئيس حسني مبارك، إلى اتخاذ موقف "حازم" لمواكبة التطورات.
وبدا واضحاً أن سياسة "الانحناء أمام الإعصار" الذي يجتاح المنطقة، والتزام الصمت، لم تفد كثيرا حتى الآن، بعدما كان الموقف الرسمي متقدماً ومقبولاً عربياً وشعبياً في الأسبوعين الأولين من بدء العدوان على غزة، مما حمل العديد من رموز الشارع السياسي الأردني على المطالبة بموقف واضح ومعلن مرتبط باتخاذ إجراءات ولو في مستوى الحد الأدنى من المطالب الشعبية.
فما الذي يحدث داخل المطبخ السياسي الأردني، وما هي الخيارات التي بقيت أمامه في ظل تسارع التطورات اليومية على صعيد الجهود السياسية العربية والعالمية، وعلى صعيد ما يحدث عسكريا وإنسانيا على الأرض في غزة؟
الموقف السياسي الرسمي
تعي القيادة السياسية جيداً حجم الأخطار الآنية والمستقبلية للحرب الإسرائيلية الحالية على الأمن القومي الأردني وعلى القضية الفلسطينية برمتها. وهو ما أعلنه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين شخصياً من أن "هناك مؤامرة على القضية الفلسطينية" وأن الأردن يتحسب "لما بعد غزة".
والخطر الماثل كما يراه الأردن، هو: انتهاء فكرة الدولتين (الفلسطينية المستقلة والإسرائيلية) والشروع في تنفيذ مخطط الوطن البديل بإلحاق ما تبقى من الضفة الغربية بالأردن وقطاع غزة بمصر، بغطاء أميركي، وهو أخف السيناريوات المطروحة إسرائيلياً حيال الأردن.
وهو ما يحمل في طياته إمكان زوال النظام السياسي الأردني الحالي، وإن كان سيبقى جغرافياً بصفة كونه "منطقة عازلة". الامر الذي لا يمكن قبوله أردنياً أو فلسطينياً.
حيال هذا الوضوح في الرؤية، لا يزال في المطبخ السياسي من يقول بضرورة ابقاء المعاهدة "لعلها تحد من المخططات الإسرائيلية"، وهو طرح يشكك كثيرون داخل النظام وخارجه في جدواه.
ولعل لعبة التجاذبات التي شهدها الأسبوع الماضي حيال القمم العربية الثلاث (الخليجية والدوحة والكويت الاقتصادية) أربكت الحكومة الأردنية وأفقدتها بوصلتها وجعلتها تحتار وتختار التزام الصمت وعدم الخروج بموقف واضح، زادت في صعوبته الضغوط "العربية" التي مورست عليه لجهة عدم الذهاب إلى الدوحة.
الموقف السياسي، وفق ما لخصه مصدر حكومي لـ"النهار" هو الآتي:
الأردن لم يتغيب عن أي قمة عربية حتى الآن، ولن يتغيب أبداً عن أي قمة "حقيقية". وعند الاستفسار عن معنى "حقيقي"، لم يجد المصدر، الذي رفض نشر اسمه، مجالا للتهرب وإن لجأ إلى لغة "الترميز".
ووفق هذا الترميز، فإن الأردن قرر أن يكون الدولة الرقم 16 التي توافق على التوجه إلى الدوحة، بمعنى أنها، بسبب الضغوطات العربية، لن تكون هي (الواحد) الذي يضاف إلى "النصف" الذي يحقق النصاب لتصير القمة رسمية، وإنما الثاني، وهو ما كاد يجعلها تعلن غير مرة مشاركتها، لتعدل عنها بعد أن ينقص النصاب القانوني. وهو بذلك حمى نفسه من حرج إعلان الحضور ومن ثم الانسحاب، كما حدث مع السلطة الفلسطينية والمغرب واليمن.
وعمان، التي استطاعت خلال الأشهر الماضية الخروج من سياسة المحاور (الممانعة والاعتدال) بأقل حجم من الخسائر، وجدت نفسها مضطرة الى الاستجابة لضغوط محور الاعتدال، لكنها أبدت اعذارها للطرف الآخر، من خلال القنوات الخلفية.
ضغط شعبي
غير أن هذا الموقف أثر سلباً على التناغم مع الشارع السياسي الداخلي، الذي أعلن امس استراتيجية جديدة، ضمّنها إدانة من بعض الأطراف لغيابه عن قمة الدوحة، وكذلك إعلان استراتيجية جديدة للتحرك الشعبي بلورها الملتقى الوطني للنقابات المهنية وأحزاب المعارضة، والمؤتمر الشعبي لنصرة غزة، اللذان أعلنا أن الشعار الجديد للتحرك المستقبلي هو "إدانة الموقف الرسمي حتى يستجيب للمطالب الشعبية وفي مقدمها إلغاء المعاهدة ووقف التطبيع" أو العمل على "اسقاط الحكومة".
وبلغ الأمر حد أن يقترح القيادي في الحركة الإسلامية الدكتور محمد أبو فارس "أن نطالب الملك ولا نرجوه، بتنفيذ هذه المطالب" وهي لغة جديدة لم يسبق أن استخدمتها الحركة الإسلامية التي تقود الشارع الأردني وأثبتت أنها هي الأقدر على ضبط الشارع، وعلى تثويره في الوقت عينه.
ما العمل؟
وهنا يوضح المسؤول الحكومي لـ"النهار" أن الحكومة "أمامها سيناريوات عديدة وخيارات تدرسها… من بينها اتخاذ خطوات إجرائية حيال العلاقة مع إسرائيل". لكن هذا الحديث بات غير مقنع لقيادات الشارع، خصوصا بعدما أعلن رئيس الوزراء نادر الذهبي ذلك أمام البرلمان قبل أسبوعين، ولم يتخذ أي خطوة في هذا السياق حتى الآن.
وفي الوقت عينه، يلمح المسؤول الحكومي إلى أن هذه الخيارات لا تستبعد الدفع إلى الحدود القصوى كما حدث عام 1991، في إشارة إلى موقف رئيس الحكومة سابقاً مضر بدران عندما أعلن أن الأردن سيثور العالم العربي في حال فكرت إسرائيل بالاعتداء عليه إبان حرب الخليج الثانية (التحالف الثلاثيني ضد العراق).
في المقابل، يرى المحلل السياسي جمال طاهات أن تطورات الأسبوع الماضي تلزم الحكومة التجاوب سريعاً مع ما سيستجد من تطورات، يعتقد أنها ستكون أشد وطأة.
وهو أوضح لـ"النهار" أن الأردن "يفهم تماماً حكم المخاطر المستقبلية على مصير الكيان الأردني… وما يجب أن يفعله حيالها". لكنه يرى ان "لا قدرة متوافرة على ترجمة ذلك إلى أفعال". ويضيف بأن الحديث عن اتفاق السلام صار بلا معنى، وكذلك أي شكل من أشكال المراهنة على الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ويلفت إلى أن النظام السياسي "يجب أن يغير أدوات الفعل السياسي التي اتخذها خلال العقد الماضي بأخرى أكثر فاعلية". ويفصل بالقول أن على القيادة السياسية "أن تشرك الشارع الأردني في عملية اتخاذ القرار السياسي الخارجي، وتتوقف عن التفرد فيه" إذ يجعلها رهينة للإملاءات الخارجية. ويشير في هذا الصدد إلى تجربة حركة "حماس" التي "رغم صغر حجمها إلا أنها استطاعت بفضل قدرتها على جمع الشارع الفلسطيني والعربي حولها أن تفرض شروطها وتحبط المخططات الاسرائيلية إقليميا المدعومة من الولايات المتحدة".
ومع أنه يقر بأن الأردن بقدراته العسكرية المحدودة جداً في مقابل القدرة الإسرائيلية، إلا أنه "قادر إذا أحسن تحشيد الشارع الأردني وتنظيمه، ومن خلفه الشارع العربي… على تغيير المعادلات السياسية الموجودة حاليا أو تلك التي ترسم له وللمنطقة".




















