عبدالله اسكندر
الاحتفال كان تاريخيا لحدث تاريخي، برمزيته وقيمته ايضا. والرهان كبير على تولي الافريقي – الاميركي الديموقراطي باراك اوباما الرئاسة في الولايات المتحدة، بعد الأذى الكبير الذي ألحقته الادارة الجمهورية للرئيس السابق جورج بوش، في ولايتيه المتتاليتين، داخل الولايات المتحدة وخارجها، على الصعد السياسية والمالية والأخلاقية ايضاً، وخصوصاً على صورة البلاد التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة، فأخفقت في إدارة المشكلات العالمية التي اعتبرت نفسها معنية بها لكونها القوة الأقوى في العالم. والرهان هو على تمكن الرئيس الجديد، صاحب شعاري التغيير والأمل، من معالجة هذا الكم الكبير من الملفات المعقدة والمتداخلة، داخلياً وخارجياً، والتي سيجدها متراكمة على مكتبه فور دخوله إليه. وما يزيد من هول هذه المهمة كون كل قيادات العالم تقريباً تنتظر مبادرة الرئيس الاميركي، وإن كان بعض منها اعلن استعداده لملاقاته في منتصف الطريق. وهي مبادرة ستكون كارثية اذا لم تقطع مع النهج الدوغماتي للإدارة السابقة، وتتجه نحو واقعية تأخذ مصالح الآخرين في الاعتبار، سياسياً واقتصادياً. مع ما يعنيه ذلك من تقديم تنازلات على حساب المصالح الاميركية ولوبياتها التي ستناهض بالتأكيد مثل هذا التوجه. أي ان اوباما سيواجه أزمات وملفات معقدة وصعبة، وايضاً معيقات وصراع مصالح داخلية وضغوطاً لاجراءات حماية اقتصادية، ستكون متعارضة مع النهج المعلن في التعاون الدولي.
على مستوى الأزمة المالية والاقتصادية الداخلية، بدأ الخبراء، ومسؤولون في الفريق الرئاسي، يعيدون النظر في التوقعات نحو الادنى للخطة الرئاسية، بفعل الكلفة المرتفعة التي تفرض اللجوء الى الاقتراض وبيع سندات خزينة لمن يملك المال والقدرة على الشراء. ومع الخطط المماثلة في البلدان الغربية الحليفة، ليس هناك سوى الصين التي تملك احتياطاً مالياً تحتاجه الولايات المتحدة. وبالتأكيد لن تكون المساومة سهلة، لأنها ستطاول قضايا التبادل التجاري والقضايا السياسية موضع الخلاف.
كما يشكك الخبراء بفعالية خفض الضرائب على الأسر المتوسطة من اجل انتعاش القدرة الشرائية ودفع عجلة الانتاج المحلي الذي يعاني قلة السيولة وصعوبة الاقتراض. ويذهب بعض هؤلاء الى ان مزيداً من اجراءات الحماية ستصطدم بكل الشركاء التجاريين، وفي مقدمهم اوروبا. ويبدو ان العنصر الايجابي شبه المضمون في الخطة الاقتصادية لأوباما يتعلق بالطاقة الخضراء والمتجددة، والتي يعوّل عليها لتوفير فرص عمل لمئات الآلاف.
على صعيد السياسة الخارجية، لقد بات معروفا ان اوباما اعطى توجيهاته، وربما اوامره اعتبارا من اليوم، من اجل احترام الروزنامة التي وضعها للانسحاب من العراق، من اجل تركيز العمل العسكري ضد الارهاب في افغانستان. وتراهن الادارة الجديدة، في اطار التعاون والمشاركة مع الحلفاء، على زيادة المساهمة العسكرية من دول الحلف الاطلسي، خصوصاً الاوروبية، في الجهد الاميركي. لكن هؤلاء الحلفاء باتوا شبه مقتنعين بأن الجهد العسكري وحده في افغانستان مآله الفشل، ويدعون الى جهد سياسي ومساعي تسوية لم يظهر حتى الآن ان واشنطن مستعدة للانخراط فيها انخراطاً تاماً. اضافة الى ذلك، ثمة تردد لدى الرأي العام على الأقل، في فرنسا وبريطانيا والمانيا، في ارسال مزيد من القوات، خصوصاً في ظل الخسائر البشرية التي تترافق مع تدهور في الوضع الامني، ما يدفع الى التساؤل عن جدوى هذه المساهمة. وثمة من يعتقد ان المسألة الافغانية ستكون الاختبار الأكثر جدية وصعوبة للعلاقات الاوروبية – الاميركية في ظل ادارة اوباما. كما انها ستكون مؤشراً الى كيفية ترجمة الخط السياسي الجديد للبيت الابيض في كيفية انهاء السياسة الآحادية والانفرادية، والقواعد التي ستقبل بها الولايات المتحدة في اطار الشراكة العسكرية والتعاون مع الحلفاء، وفي اطار الامم المتحدة.
لقد تحدثت وزيرة الخارجية الجديدة هيلاري كلينتون، في جلسة الاستماع الاولى امام الكونغرس، عن «القوة الذكية» بدلاً من «القوة الصلبة» في التعامل مع الازمات السياسية، خصوصاً الشرق الاوسط والعلاقة مع ايران وسورية. وخلاصة هذا النهج ان المطلوب من طهران التخلي عن التخصيب في مقابل رزمة التعاون، ومن دمشق التخلي عن تحالفاتها في لبنان وفلسطين في مقابل العلاقات. وهذا ما كانت تقوله الادارة السابقة، لكن الجديد في هذا النهج هو السعي مع الحلفاء والمجتمع الدولي لتنفيذ هذا الهدف، وفي حال الفشل تبقى الخيارات الاخرى مطروحة على الطاولة.
وبذلك تتهاوى الصفات التي ألصقت بالرئيس الاميركي الجديد، وتتقلص الطموحات في قدرته على اجراء التغيير التاريخي المرتبط بالحدث التاريخي المتمثل بانتخابه. ولن يكون اوباما حاملاً عصا سحرية لحل الأزمات، كما لن يكون زعيما لليسار الليبرالي، وانما رئيساً اميركياً تهمّه في المقام الاول المصالح الاميركية، بكل تعقيداتها وتعارضاتها مع العالم الخارجي.




















