وسام سعادة
ثمّة سؤال أساسي يعني العرب جميعاً اليوم ويتفرّع عنه سؤال يعني لبنان على وجه الخصوص. السؤال هو: كيف السبيل إلى عدم تكرار مأساة غزّة؟ كيف السبيل إلى الحؤول دون تكرارها مستقبلياً، لا في غزّة ولا في أيّ مكان آخر، لا على الأرض الفلسطينية ولا على أي أرض مجاورة؟
فالمعادلة التي حكمت المأساة في غزّة تستدعي هذا النوع من الأسئلة، لأنّها معادلة تجمع بين سهولة التنكيل الإسرائيليّ الوحشيّ بالمدنيين مقارنة بالسلامة النسبيّة للمقاومين. والحال أنّه لا يمكن رؤية أحد طرفي هذه المعادلة دون الطرف الآخر. ما حدث أنّ "التحام" المقاومين بالأهالي أدّى عملياً، في ظروف العدوان الإسرائيليّ، إلى مصائر مختلفة للمقاومين من ناحية، وللأهالي من ناحية أخرى. فالمقاومون يستدلّون على الطبيعة الإجرامية لإسرائيل من خلال ما أرتكبته بالأهالي، في حين أنّهم يستدلّون على نظريّة انتصارهم على إسرائيل من خلال عدم تناسب ما خسروه من مقاتليهم قياساً على ما خسرته البيئة السكّانيّة والعمرانيّة التي تأويهم.
إنّ الاختلاف الشاسع بين مصائر الأهالي ومصائر المقاومين من بينهم هو ما تعتبره الممانعة تحوّلاً نوعيّاً في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، أسّست له حرب تمّوز 2006 ورسّخته المعركة في غزّة. بل قد تخال الممانعة أنّ ثمّة نوعاً من تقسيم عمل لاواعٍ بين الأهالي والمقاومين تتأمن من خلاله خدمة القضيّة، فينتهي الأمر بالعدوان إلى الطريق المسدود، ويعلن النصر في اليوم التالي، وتصبح هذه هي الاستراتيجية الدفاعية التي يمكن اعتمادها والتبشير بها.
لكن من بمستطاعه أن يعلن سلفاً استعداده لتحمّل تكرار هذا السيناريو مرة ثالثة بعد حرب تمّوز 2006 والعدوان على غزّة؟ وأين يكون المسرح في هذه المرة الثالثة؟
هنا بالذات تظهر أهمية المقاربة التي تقوم بها منظومة الاعتدال العربي. الأساس في هذه المقاربة هو ضرورة تفادي حصول مأساة ثالثة بعد ما حصل في تمّوز 2006 وفي غزة. ولتفادي تكرار المأساة مرة ثالثة يسلك الاعتدال العربيّ دروباً عدّة.
الدرب الأوّل هو إيضاح معنى "مبادرة السلام العربيّة" وإكسابها راهنية خاصّة في ضوء القرار 1860، بجعلها جواباً علن سؤال: كيف السبيل إلى عدم تكرار مأساة غزّة؟ هذه المبادرة لا معنى لها إن لم ترتبط بهذا السؤال، لكنّها ما أن ترتبط به حتى تتحوّل إلى استراتيجية حقيقيّة.
الدرب الثاني هو تسجيل واقعة اصطدام قوى الممانعة بالحائط المسدود، كونها لا تمتلك أي استراتيجية يمكن أن تجمع مجدّداً بين مصائر الأهالي وبين مصائر المقاومين في حال العدوان، بل إنها تعدّ كثرة المجازر بين المدنيين قياساً على قلّة الخسائر بين المقاومين دليلاً على انتصار.
أما الدرب الثالث فهو محاولة الخروج من دوّامة "تحرير أرض استدراج المحتل مجدّداً إعادة تحريرها مرة أخرى" من خلال الإسعاف العمرانيّ العاجل للمناطق المنكوبة بفعل العدوان، وقد بان هنا بالتحديد الدور المهم للمساعدة السعوديّة في إعادة إعمار ما تهدّم في لبنان بعد حرب تمّوز، وفي المساعدة السخية لإعادة إعمار ما تهدّم في غزّة. لكن السؤال يبقى إن كانت دوامة "تحرير إعادة تحرير" تفرض على الاعتدال العربي دوامة "إعمار ـ إعادة إعمار".
ويأتي بعد ذلك الدرب الرابع، ولعلّه الأصعب. إنّه درب يخاطب عناصر أساسية في قوى الممانعة تدرك تماماً أن تكرار السيناريو نفسه بعد حرب تمّوز في لبنان أو بعد العدوان على غزّة، وسواء كان هذا التكرار في لبنان أم في غزّة، ليس في صالح أحد اليوم، بل يضرب الحدّ الأدنى من الاستقرار في النظام الإقليميّ.
إلى حد بعيد، استطاعت المشاركتان السعودية والمصرية في قمّة الكويت أن تعبّرا عن هذه النقاط، وحتى البيان الختامي في البياضات التي لم يملأها عكس بشكل أو بآخر ضرورة سلوك هذه الدروب. فـ"مبادرة السلام العربية" أكّدت نفسها كمشروع استراتيجي شامل عندما شدّد الملك عبد الله بأنّها لن تبقى مطروحة والدم الفلسطيني يراق، وبالتالي ربط طرحها بوقف نزيف الدم الفلسطيني، ما يعني اليوم منع تكرار مأساة غزّة مرة ثانية، ومنع تكرار مثل هذه المأساة على أرض فلسطينية أو عربية أخرى.
نجحت "مبادرة السلام العربية" في التقاط العنصر الإيجابي من النقد المسدّد لها في اجتماع الدوحة التشاوري. كانت تلزمها دفاعات وقائية فأتت كلمة الملك عبد الله في الكويت، ومن ثم "مشهد" المصالحة العربية ليزوّدها بهذه الدفاعات، فضلاً عن انتظار ما في جعبة باراك أوباما. في المقابل فإن ما نجحت كل من تشاورية الدوحة وقمّة الكويت في تكريسه (بل تشاورية الدوحة قبل قمّة الكويت بقطع النظر عن الأسلوب) هو اعتبار المقاومات معلّقة عملياً حتى إشعار آخر.. ما دامت هذه المقاومات لا تملك الرد المناسب على عدوان يحدث انشقاقاً بين الأهالي الذي يسهل ذبحهم بالمئات والمقاومين الذي يصعب تمييزهم عن الأهالي فيخرجون من المعركة.. "منتصرين".




















