الانتخابات الاميركية لم تعن الشعب الاميركي فقط، لكنها حظيت باهتمام العالم، وبالنسبة لي لم أكن مهتماً طوال نصف القرن الماضي بانتخابات الرئاسة مثل هذه المرة، والسبب وجود أوباما، ليس لأنه ذو أصول افريقية، او لأن أحد اسمائه حسين، فبالنسبة لي لا أؤسس مشاعري او موقفي على ديانة الشخص الذي أهتم به أياً كانت، حتى الذين أثاروا هذه النقطة في الولايات المتحدة قوبلوا باستهجان، كان أبرزه موقف الجنرال كولن باول الذي يعد من أقطاب الحزب الجمهوري ومع ذلك تساءل مستنكراً، وماذا لو أن أوباما مسلم؟ وقال ان طرح هذا السؤال فيه تناقض مع روح اميركا، وأعلن تأييده لأوباما الديموقراطي وهو الجمهوري.
أعترف أنني من جيل تفتّح وعيه على العداء للولايات المتحدة، وكل ما يأتي منها على المستوى السياسي، وأحياناً الثقافي. في الخمسينات كنا ننتقد مؤسسات ممولة اميركياً، مثل "مؤسسة فرانكلين للنشر"، و"دار الكرنك"، ثم اكتشف مع الوقت أن كلا منهما قدم ترجمات مهمة للمكتبة العربية. أضرب مثالاً الكتاب الوحيد الموجود بالعربية للمعماري العبقري لوكوربوازييه والصادر عن المؤسسة. أما "دار الكرنك" فقدمت أفضل ما ترجم الى العربية من قصص قصيرة في سلسلة ممتازة أحتفظ بمعظمها في مكتبتي. وعلى رغم انتقادنا لمشاريع النشر ذات التوجه الاميركي، لم يصدر موقف مواز ضد المطبوعات المدعومة سوفياتياً.
كانت المواقف متأثرة بأصدار الحرب الباردة التي تصلنا من خلال الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وكان لا بد من مضي سنوات طويلة قبل أن أدرك أن الثقافة الانسانية من كل أطيافها ضرورية للانسان، للتكوين، وأن الفيصل في التقويم النقدي يرجع الى التكوين وخصوصية ما أنتمي اليه، لكن يجب ألا أرفض مسبقاً، ولا أدعو الى موقف مسبق.
الانتخابات الاميركية الحالية تجعلنا نرى ما لم نكن نراه من ميزات الديموقراطية الاميركية خاصة والديموقراطية الغربية عموماً. لقد وصلت الى اقتناع محدد من خلال المتابعة التي يرجع فيها الفضل الى وسائط الاتصال الحديثة بأن الشكل الأمثل، الوحيد، المتاح للانسانية هو الديموقراطية كما عرفها الغرب منذ عصر النهضة وصولاً الى الآن، أما الحديث عن ديموقراطيات ذات خصوصية شرقية أو جنوبية أو دينية فليس الا مبرراً لترسيخ الانظمة المستبدة القائمة، والتي لا يريد اصحابها التزحزح قيد أنملة، او اتاحة الفرصة للشفافية والتغيير، وعالمنا العربي هو الأشد بؤساً من أقصاه الى أدناه في هذا المجال.
إنني أتأمل بانبهار تسلم شاب ذي أصول فقيرة، افريقي الجذور، مهاجر، تُفتح له كل السبل ليدرس في أرقى جامعة للعلوم السياسية والقانونية في العالم (هارفارد) ثم يتدرج في المراحل الى أن يصبح المرشح الاقوى للحزب الديموقراطي لكي يحكم القوة الاولى في العالم. والحق أنها لم تصبح في هذه المكانة الا من خلال الظروف التي تمكن كل انسان من تحقيق ذاته وفقاً لامكاناته. لو أن لي صوتاً لمنحته لأوباما، ومما ألاحظه تلك الحماسة العارمة له في أوروبا وأماكن أخرى من العالم. كثيرون مثلي يدركون أهمية وصول هذا الرجل الى البيت الابيض. إنها لحظة مهمة في تاريخ الانسانية، فأجداد أوباما كانوا عبيداً يموت معظمهم خلال ترحيلهم القسري من افريقيا. هذا البعد الانساني بغض النظر عن برنامجه الانتخابي وتفاصيله يعنيني كثيراً، اضافة الى عوامل أخرى تتصل بالشفافية المطلقة التي تجعل كل ناخب يفتش في ما ينفق والاعلام يحاسب على أسعار الملابس التي تخص نائبة المرشح الجمهوري المرشحة والتي تبدو سوقية الحضور.
نلاحظ ان الحزب الجمهوري كان في السلطة، وممثله في البيت الابيض، ومع ذلك فقد كان خروجه من السلطة مطروحاً بقوة، بل إن المرشح الجمهوري حاول التنصل من علاقته بالرئيس بوش وكأنه ينتمي لحزب آخر، بسبب أخطائه القاتلة التي أضرت بالولايات المتحدة خاصة في السياسة الخارجية. الرئيس بيل كلينتون ظهر لدعم أوباما، الرئيس كارتر في الخلفية، كم رئيساً سابقاً على قيد الحياة في الولايات المتحدة؟ إن تأمل ما يجري هناك يزيد شعوري بأننا من كوكب آخر، ويدفع بالانسان الى العبث واليأس. إن نجاح أوباما علامة خارقة في المسار الانساني.
(جمال الغيطاني، رئيس تحرير اسبوعية "أخبار الأدب" القاهرية، (اختيارات مؤسسة "كارينغي"))
"النهار"




















