في الشهر الماضي عقدت لدينا في "مركز دراسات العالم الإسلامي" ندوة عن رواية "جوهرة المدينة" للكاتبة الأميركية شيرلي جونز التي تحمل من الإساءة للرسول محمد (ص) أكثر بكثير مما ورد في رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي.
وكانت هذه الرواية، التي تتناول العلاقة الحميمة بين الرسول وبين السيدة عائشة، قد قدمت في 2007 الى دار النشر الأميركية "راندوم هاوس" فحوّلتها الى أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة تكساس دنيس سبيلبرغ على اعتبار أنها متخصصة في التاريخ الإسلامي المبكر ولها كتاب مرجعي عن السيدة عائشة، فأوصت بعدم نشر الرواية لما فيها من سطحية وإساءة للمسلمين.
ولكن بقدرة قادر ظهرت الرواية خلال صيف 2008 فجأة في بلغراد مترجمة الى اللغة الصربية مما أثار المسلمين هناك، حيث أن هذه الترجمة فتحت الباب أمام ترجمات أخرى روسية وبولونية إلخ، قبل أن تصدر في اللغة الانكليزية التي كتبت فيها.
وقد أثير خلال النقاش حول هذه الرواية سؤال وجيه حول موقف إيران الغريب. فقد أقامت إيران الدنيا وأقعدتها على رواية آيات شيطانية" مع أنها تعتمد على التلميح بينما صمتت تماماً على رواية "جوهرة المدينة" التي تعتمد على التصريح في إساءتها. وقيل حينذاك في الندوة إن هذه الرواية طالما تسيء الى الرسول من خلال السيدة عائشة فهي تؤكد ما ورد في الأدبيات الشيعية حول "حديث الأفك"، وهو ما تأخذ به الرواية أيضاً حينما تجزم بوجود علاقة عاطفية بين السيدة عائشة وصفوان بن المعطل.
وعوضاً عن أي انزعاج إيراني من هذا الأمر ( نشرت الرواية خلال آب 2008 قي بلغراد) فقد استقبلت إيران في ايلول 2008 وزير الخارجية الصربي فوك يرميتش، الذي ذهب الى طهران ليحصل على دعم طهران في اجتماع وزراء خارجية دول عدم الانحياز في النزاع بين صربيا وكوسوفو. وقد عاد يرميتش آنذاك الى بلغراد بتصريحات تعبر عما حصل عليه من دعم في طهران.
وهكذا لم تحتج إيران بكلمة واحدة على صدور "جوهرة المدينة" في بلغراد، ولم تعترف بكوسوفو الدولة الأوروبية الجديدة ذات الغالبية المسلمة، بل أيدت صربيا خلال التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع القرار الصربي لتحويل النزاع مع كوسوفو الى محكمة العدل الدولية مع أنها ترفض تحويل نزاعها مع الإمارات العربية حول الجزر المحتلة الى المحكمة ذاتها. وفي الوقت ذاته كان سكان كوسوفو لا يصدقون أن عشرات الدول "المسيحية" تعترف بدولتهم المستقلة في الوقت التي ترفض الاعتراف بها "جمهورية إيران الإسلامية".
ومن الواضح هنا، كما في النزاع بين أذربيجان المسلمة وأرمينيا المسيحية، أن الموقف الإيراني لا يحدده الدين (الإسلام) الذي تحمل الجمهورية اسمه بل المصالح العليا للدولة الإيرانية. ففي حالة صربيا وكوسوفو تميل إيران الى الموقف الروسي لأسباب معروفة، حيث من المهم جداً الدعم الروسي لها في موقفها إزاء الغرب في ما يتعلق بملفها النووي.
وفي المقابل لدينا في صربيا الديموقراطية، التي تتسع الآن لكل الآراء، نقد متزايد للحكومة الصربية الحالية التي تجامل إيران وتسكت عن ملفها في حقوق الإنسان. فقد رفضت صربيا أخيراً التصويت في الأمم المتحدة على مشروع قرار يدين انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. وللحديث حول ذلك التقت الصحيفة البلغرادية المعروفة "داناس" (عدد 5/1/2009) وزير الخارجية الصربي فوك يرميتش. وقد قال يرميتش بكل بساطة إن هناك ثلاث أولويات في السياسة الخارجية الصربية: الحفاظ على النظام الدستوري القائم، وتحسين العلاقات مع الدول المجاورة، وتسريع الانضمام الى الاتحاد الأوروبي. وكان يرميتش يقصد من "الحفاظ على النظام الدستوري القائم" ما يتضمنه من نص على أن كوسوفو جزء من صربيا، أما ما عدا ذلك فهو "ثانوي" بالنسبة الى صربيا. وبعبارة أخرى ليست صربيا مستعدة للخوض في ملف حقوق الإنسان في إيران إذا كان ذلك يؤثر على تأييد إيران لصربيا.
في حالة إيران وصربيا يبدو بوضوح أن لا الإسلام ولا حقوق الإنسان تحكم السياسة الخارجية للدول بل المصالح فقط.
"المستقبل"




















