مع إعلان اسرائيل وقفا للنار من طرف واحد اندلع مجددا النقاش ما اذا كانت الحرب على غزة حققت اهدافها.
يستطيع تحالف باراك – ليفني القول ان الهدف الاول للحرب كان وقف اطلاق صواريخ "حماس" على جنوب اسرائيل وان هذا الهدف تحقق.
ويستطيع زعيم الليكود بنيامين نتنياهو ومعه تشكيلات اليمين القول ان "حماس" ما زالت تمتلك القدرة على العودة الى تهديد جنوب اسرائيل في ظرف آخر.
الوجه الاول للجدال المندلع هو المتعلق بالحملة الانتخابية التي ينتظر ان تستعر في الايام المقبلة حول نتائج الحرب.
اما الوجه الآخر، وهو الابقى، فيتعلق بما اذا كانت اسرائيل استعادت فعلا قدرتها على الردع التي تضررت كثيرا في حرب تموز 2006 في حربها على لبنان.
مما لا شك فيه ان اسرائيل امعنت في تحميل المدنيين نتائج الخيارات السياسية لتشكيلات المقاومة التي تعتبر ان نقطة قوتها هي في "اختفائها" كقواعد ثابتة، وظهورها كمجموعات مقاتلة تختار مباغتة العدو.
والامعان في استهداف المدنيين اقنع اقساما لا يستهان بها من الرأي العام العالمي ان اعمال اسرائيل ترقى فعلا الى مستوى جرائم حرب موصوفة، مما يجعل قضية ملاحقتها امام محكمة الجنايات الدولية ذات حظوظ معقولة رغم التساهل المنتظر معها اميركيا وغربيا عموما.
وفي الحرب على غزة بعد الدمار الذي احدثته في لبنان ارتقت اسرائيل الى مستوى "فلسفة" استهداف المدنيين باعتباره الرادع للتشكيلات العسكرية عن التفكير مستقبلا باستهداف التجمعات المدنية الاسرائيلية.
على هذا الصعيد يمكن فعلا اقامة موازاة بين امعان اسرائيل في الجريمة وقدرة اطراف المقاومة اللبنانية والفلسطينية على تحمل مواجهات الخسائر المفتوحة في صفوف مدنيي المجتمعات المقاومة، خصوصا ان قدرات اسرائيل في هذا المجال تبدو غير محدودة بغير حدود مستوى الاستهوال الغربي.
اما "الانجاز" العسكري الذي يمكن ان ترتد اليه القيادة السياسية الاسرائيلية دفاعا عن قيادتها للحرب، فهو مستوى الخسائر التي تحملها الجيش الاسرائيلي، ومن ثم الخسائر وسط المدنيين الاسرائيليين.
على هذا الصعيد لا بد من ملاحظة الفرق بين الخسائر في الجنود التي دفعها الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان، وفي استهادفه بصواريخ "حزب الله"، والخسائر المحدودة جدا التي دفعها اثناء توغله في قطاع غزة.
لم يحاول الجيش الاسرائيلي احتلال التجمعات السكنية الكثيفة في قطاع غزة، لكنه توغل في القطاع نفسه بما يتجاوز توغله في جنوب لبنان، ورغم المواجهات العنيفة مع المقاومين الا انه يصعب مقارنة هذه المواجهات بما حصل له في بلدات جنوب لبنان الحدودية.
لقد دفعت مقاومة غزة، وهي الاقل تجهيزا، كلفة الدروس التي استقاها الجيش الاسرائيلي من حربه على لبنان، لذلك بدا في الميزان النهائي للمعارك اعلان "حماس" نصرها، باهتا، بالقياس الى اعلان نصر "حزب الله" الذي تصاعد مع تصاعد اعتراف اسرائيل بالاخفاقات التي واجهها جيشها.
بهذا المعنى وبين هدفي وقف صواريخ "حماس" وضرب الحركة نفسها، يمكن القول ان اسرائيل استعادت شطرا من سمعتها الردعية، قد تجعلها اكثر جرأة على المباشرة بنزاعات عسكرية مقبلة.
واستعادة بعض قدرة الردع الاسرائيلية، ليس مفصولا عن المغامرة التي خاضها باراك، والتحقت بها ليفني، والتي كانت تهدد بتوسيع النزاع في متسلسلة تبدأ بـ"حزب الله" وتنتهي بايران.
على هذا الصعيد كان واضحا القرار المقابل بحصر النزاع في حدوده الفلسطينية، ايمانا بأن الجيش الاسرائيلي سيفشل في مهمته، لكن في الوقت نفسه لقرار بعدم خوض المواجهة الشاملة انطلاقا من قرار حرب "جزئي" تتخذه اسرائيل، ولا يمكن مقارنته طبعا بعملية تستهدف ايران ومنشآتها النووية.
لقد كانت الحرب شاملة، فقط بالنسبة لاهالي غزة الذين كانوا تحت رحمة كل نوازع الانتقام والممارسات الاجرامية الاسرائيلية الموصولة تاريخيا.
لذلك من المتوقع ان تكون دروس حرب غزة، من الناحية الفلسطينية والعربية، تخفيفا للايمان المبسط الذي اثارته حرب لبنان 2006 والذي يعتبر ان هزيمة اسرائيل ممكنة في كل الظروف.
الوحدة الوطنية المحتضنة عربيا، ربما تكون الدرس الاول، العسكري – السياسي، لكل من يفكر بأن الصراع العربي – الاسرائيلي لا بد ان تكون له جولات مقبلة.
"النهار"




















